بوابة الحرمين الشريفين
تاريخ الحرمين الشريفين
بيت الله الحرام بين الخليل وحفيده عليهما السلام

بيت الله الحرام بين إبراهيم وحفيده محمد صلوات الله وسلامه عليهما
إن الحديث عن بيت الله الحرام بين نبي الله الخليل إبراهيم عليه السلام وحفيده نبي الله الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم يبدأ طبعياً بالحديث عن تاريخ ذلك البيت الذي شرفه الله تعالى وشرفه بشرفه ما جاوره من بقاع، وشطت بركاته ونفحاته كل من أمه وقصده طاعة وتعبدا لله رب العالمين. بل عم خيره من كل بقاع الدنيا من آمن به بيتاً لله، وعظمه وكرمه ورعى حرمته برعاية حرمه.
والحديث عن بيت الله الحرام يتفرع إلى جوانب عديدة كلها يقضى إلى ذلك البيت المعظم بسبب أو بأسباب. فهناك الحديث عن تاريخه وجوداً وهناك الحديث عن تاريخه بناء وعدد تلك المرات التي شرفت يد البنائين بالعمل فيه، وهناك الحديث عن مناسك التعبد حوله أو فريضة الحج... إلى آخر تلك الجوانب التي لا ينقضي الحديث عنها. ولا ينتهي البحث حولها.
واختلاف الآراء حول تاريخ وجود البيت، وعدد مرات بنائه أمر طبعي، لا حرج فيه. فإن الأمر إذا كان ذا شأن شغل من الناس بقدر شأنه. وبيت الله الحرام لا يدانيه أمر في عظيم شأنه، وسمو مكانته، ورفعة قدره، لنا فقد اشتغل الناس به بقدر مكانه في أنفسهم، أضف إلى ذلك أن الاشتغال ببيت الله الحرام ليس من باب إشباع الفضول كما في كثير من الشؤون الأخرى ولكن الاشتغال به عبادة، والبحث حوله قربة، والاهتمام بأمره مرضاة للرب سبحانه وتعالى مدفعة للشر والضر، مجلبة للخير والبر.
لذلك جد الباحثون واجتهدوا حول هذه الأمور التي أشرنا إليها أو حول بعضها، أداء للواجب ديناً، والتماساً للبركة والثواب ورضاء الله سبحانه وتعالى.
ونحن هنا نتناول الحديث عن بيت الله الحرام وجوداً، وطرفاً من الحديث عنه بناء وتطهيراً. والسؤال الذي يدور الحديث حول الإجابة عليه هو: متى وجد بيت الله الحرام؟
لقد اختلفت الآراء حول تاريخ وجود بيت الله الحرام على آراء كثيرة نستطيع أن نسلكها في اتجاهين اثنين، متخطين ما بين ذلك من خلافات يسيرة.
الاتجاه الأول: الملائكة أو بناة آدم عليه السلام فذلك أمر لا يشغلنا الآن فيما انتدبنا أنفسنا إليه.
الاتجاه الثاني: أن البيت لم يكن موجوداً قبل إبراهيم عليه السلام وأن ابتداء وجوده كان ببناء الخليل إياه، بأمر من ربه سبحانه وتعالى.
هذان اتجاهان ذهب إلى كل منها فريق من العلماء، ولكل دليله فيما يرى، وفهمه فيما يقرأ من الآثار المتصلة بالموضوع.
والحق فيما نرى ونعتقد أن البيت العتيق كان قبل إبراهيم عليه السلام وأن وجوده لم يبدأ ببناء الخليل إياه، وإنما كان موجوداً قبل ذلك.
والأدلة والبراهين على ذلك كثيرة، وهي من الوضوح = فيما أرى بحيث تدفع الاختلاف حولها، وبحيث يتساءل المرء: كيف وقع الخلاف حول ذلك؟ ولكنها مشيئة الله جل وعلا أن يظل الناس حول شؤون البيت لا يغفلون عنه بحثاً، وجداً، واجتهاداً، فيثابون بقدر نياتهم وعملهم.
قلنا أن الدلائل والبراهين قائمة على أن البيت كان موجوداً قبل إبراهيم عليه السلام وأهم هذه الأدلة ما يلي:
1- أن القرآن الكريم قد نص على أن البيت الحرام بمكة هو أول بيت وضع للناس، يقول سبحانه وتعالى ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)) [آل عمران:96]، فالآية الكريمة تنص على أن البيت إنما وضع للناس، وليس لقوم إبراهيم عليه السلام ومن بعدهم. والناس هنا يعم كل من كلف بالعبادة والتكليف بالعبادة لم يبدأ بإبراهيم، وإنما بدأ بآدم عليهما السلام وبنية من بعده حتى قيام الساعة. فلا وجه لتخصيص الناس يقوم إبراهيم عليه السلام ومن بعدهم دون السابقين، فلا تخصيص إلا بمخصص ولا مخصص هنا، كما هو واضح.
2- إن الله سبحانه وتعالى قد كلف الناس بعبادته منذ آدم عليه السلام وإذا كان \الله تعالى قد قدر لهم بيتاً يضعه لهم للعبادة. فالأقرب أن يكون ذلك مع ابتداء التكليف بالعبادة. وبعيد أن يكون الناس يعبدون الله قبل إبراهيم بدون البيت، ثم تبدأ بيوت الله به عليه السلام وفي ذلك ما فيه من حرمان الناس من بركة البيت وخيره.
3- ذهب جمهور العلماء إلى أن البيت الحرام في الأرض يسامت البيت المعمور في السماء، وعمارة البيت المعمور في السماء إنما هي بطواف الملائكة حوله، وعمارة البيت الحرام في الأرض إنما هي بطواف الناس حوله، فقارب أن يكون وجود البيت الحرام في الأرض مع بداية التكليف.
وحتى لا يحرم عباد الله في الأرض من ذلك الفضل والشرف الذي يناله عباد الله في السماء.
4- ورأس الأمر كله القرآن العظيم. فقد جاء في القرآن المجيد قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام وهو يدعو ربه قائلاً:((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)) [إبراهيم:37] وقد دعا إبراهيم بتلك الدعوات بعد أن ترك هاجر وابنها في تلك البقعة حيث أمره الله تعالى أن يعضها، وقفل راجعاً إلى الشام. ولم يكن إبراهيم عليه السلام قد أقام البيت بعد، ولم يكن هناك من بناء يمكن يسند إليه قوله عليه السلام: ((عنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)) [إبراهيم:37] فالبيت كان موجوداً في مكانه قبل أن يذهب إبراهيم. وقبل أن يرفع القواعد منه، وإن كان قد تهدم، فإن إبراهيم عليه السلام علم مكانه وشأنه بعلم من الله سبحانه.
وتبدأ صلة إبراهيم عليه السلام بالبيت الحرام بتلك الرحلة المعروفة المشهورة. رحلة الخليل عليه السلام من الشام إلى تلك البقعة الطاهرة الحرام. والتي قام بها عليه السلام تنفيذاً لأمر ربه حين أمره ربه بأن يأخذ زوجه هاجر وابنه منها إسماعيل عليه السلام ويضعهما في تلك البقعة ثم يتركهما في رعاية الله وعنايته.
ولم تكن تلك هي الزيارة الوحيدة التي قام بها إبراهيم عليه السلام إلى ذلك المكان الطاهر الحرام، ولكن الخليل قام بزيارات عديدة إلى تلك البقاع الطاهرة، وبالجمع بين آيات الله في ذلك الشأن مع الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نستطيع أن نرتب زيارات الخليل عليه السلام إلى البقاع الطاهرة الحرام على النحو التالي:
الزيارة الأولى:
وفيها أمر الله سبحانه وتعالى الخليل عليه السلام أن يحمل أم إسماعيل وابنها عليه السلام ويذهب بهما إلى البقعة الطاهرة ويضعهما هناك ثم يتركهما بجوار البيت الحرام الذي لم يكن في ذلك الوقت سوى ربوة ناهدة على ما حولها.
روى البخاري رضي الله عنه الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنه الله عنهما قال: {أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً لتخفى أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق الزمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقاً... الحديث( ) فهذه الزيارة الأولى ذهب فيها إبراهيم إلى مكان البيت فوضع تركته بجواره، في حمى الله سبحانه وتعالى ثم رجع إلى الشام من حيث أتى.
الزيارة الثانية:
وقد قام بها الخليل عليه السلام تلبية لأمر ربه سبحانه وتعالى الذي أمره بذبح إسماعيل عليه السلام فانطلق إبراهيم إلى مكة حيث ابنه، فألقي إليه الأمر فأسلم أمره إلى الله ففداه الله، يقول الله تعالى: ((فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ)) [الصافات:101] ((فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)) [الصافات:102].
الزيارة الثالثة:
وفي هذه الزيارة أراد الخليل عليه السلام أن يطمئن على تركته فانطلق إلى مكة. يروي البخاري في الحديث السابق: {فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشٍّر. نحن في ضيق وشدة وشكت إليه، قال لها: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه}( ).
الزيارة الرابعة:
وفيها عاد إبراهيم عليه السلام إلى مكة ليطمئن على إسماعيل وأهله. روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: {فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها فقالت: خرج يبتغي لنا، فقال: كيف أنتم، وسألها عن عيشهم وهيئتهم. فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عز وجل.. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه}( ).
الزيارة الخامسة:
وقد قام بها الخليل عليه السلام تلبية لأمر الله تعالى حيث أمره ربه أن يبني البيت هو وابنه إسماعيل عليه السلام يقول سبحانه وتعالى: ((وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)) [البقرة:125]، وفي حديث سالف الذكر: {ثم لبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك به ربك، قال: وتعينني؟ قال: نعم. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً. وأشار إلى لكمة مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء فجاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه. وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ((رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [البقرة:127].
هذه هي الزيارات الثابتة لإبراهيم عليه السلام من مكة إلى بيت الله الحرام قبل أن يجدد بناءه ويرفع قواعده ومعه ابنه إسماعيل عليه السلام ويجب أن ننبه هنا إلى أننا نرتب الزيارات التي ثبتت بالكتاب أو السنة أو بهما معاً، وفق ما ورد في الشرع. وهذا لا يعني أن الخليل عليه السلام لم تكن له زيارات أخرى بعد ذلك إلى مكة بلد الله الحرام، وإلى الكعبة بيت الله الحرام. بل إنه من المرجح لدينا أن الخليل عليه السلام قد زار مكة بعد ذلك مرة أو مرات بعدد ما بقى له من سنوات عمره، وبقدر ما أمكنته ظروفه من تحقيق تلك الزيارات في موسم الحج، وذلك ليعلم الناس شعائر الحج ومناسكه، إذ لا يعقل أن يؤذن في الناس بالحج، ثم لا يستجيب هو عليه السلام لأدائه وتعليم الناس مناسكه وفرائضه ما دام لا يقع تحت طائلة عذر ملجئ.
إبراهيم عليه السلام يرفع القواعد من البيت:
مر بنا أن الله تعالى أمر إبراهيم الخليل عليه السلام ببناء البيت، وتطهيره من الشرك والأوثان وكل عبادة تكون لغير الله أو يكون فيها مع الله شريك. يقول سبحانه: ((وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)) [البقرة:125]
ويقول تعالى ((وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)) [الحج:26]، ((وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)) [الحج:27].
فالآيات الكريمة توضح أن الله جل وعلا قد وكل إلى إبراهيم عليه السلام فيما يتعلق بشأن البيت الحرام أموراً ثلاثة:
الأول: إقامة البيت، فالبيت كما سبق أن بينا كان أثراً من بعد عين. قد هدمته السيول أو الطوفان أو حدثان الزمان، وكان رابية ناهدة على ما حولها فعهد الله تعالى إلى إبراهيم أن يقيمه على قواعده التي هداه الله تعالى إليها، فأقام إبراهيم القواعد من البيت يعينه في ذلك ابنه إسماعيل عليه السلام على ما هو معروف، وما بيناه قبل ذلك.
الثاني: تطهير البيت من الشرك والوثنية ومن كل ما يناقض عقيدة التوحيد أو يعارضها، فلا يكون البيت إلا خالصاً لله سبحانه وقد تكرر الأمر. بتطهير البيت موجهاً إلى إبراهيم عليه السلام وحده مرة، وإلى إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام مرة أخرى.
الثالث: الأذان في الناس بالحج. أي إعلام الناس بأن الله قد فرض عليهم الحج إلى بيته الحرام. وقد ورد أن الله تعالى لما أمر إبراهيم عليه السلام بأن يؤذن في الناس بالحج، قال إبراهيم وإلى أي مدى يبلغ صوتي، فأوحى الله تعالى إليه، أن عليك الأذان وعلينا البلاغ، فلما أذن إبراهيم عليه السلام = بالحج أوصل الله تعالى صوته إلى كل جنبات الدنيا فلم يبق حي ولا جماد إلا وقد سمع أذان الخليل عليه السلام.
هذه هي المهام الجسام التي وكل الله تعالى إلى الخليل عليه السلام القيام بها بالنسبة إلى بيته الحرام. وقد قام الخليل عليه السلام بما وكله الله إليه وأمره به.
وليس من شك في أن هذه المهام الثلاث هي على أعظم قدر من الأهمية والخطر، ولذا لم يكلها الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام إلا بعد أن اختبره فوجده جديراً بتلك المهام العظام يقول الله تعالى ((وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)) [البقرة:124] ((وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)) [البقرة:125].
فالأمر بإقامة البيت وتطهيره والأذان في الناس بالحج إنما أتى بعد الابتلاء والاختبار. لكن الذي يلفت النظر، ويستولي على الفكر، تلك الدعوات التي دعا بها إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام وهما يبنيان البيت أو يرفعان القواعد منه، وتلك الدعوات التي نطق بها النبيان العظيمان إنما هي دعوات ملهمة. لا تخرج إلا من فم نبي ينظر بنور الله إلى مستقبل يفصله عنه آلاف السنين.
فما تلك الدعوات؟ وما شأنها في موضوعنا هذا؟ إن حديثنا عن تلك الدعوات الخالدات هو مدخلنا للحديث عن رسول الله محمد خاتم الرسل حفيد إبراهيم وإسماعيل عليهم صلوات الله وسلامه.
محمد صلى الله عليه وسلم دعوة إبراهيم:
لنستمع إلى تلك الدعوات الطيبات من خليل الله إبراهيم وابنه ذبيح الله إسماعيل عليهما السلام يقول الله تعالى: ((وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [البقرة:127] ((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة:128] ((رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ)) [البقرة:129].
إن هذه الدعوات تلفت النظر إلى معنى دقيق وجليل، فإبراهيم عليه السلام وهو يقيم البيت، ولم يكتمل بناء البيت بعد، ولم يفرغ هو من بناءه، شغل نفسه، وأهم قلبه مآل البيت من بعده، وما سيكون عليه حال بيت الله الحرام عبر السنين الطوال، من خلال الأجيال المتعاقبة من أبناء هذه الأمة التي شاء الله تعالى أن ينيلها شرف حراسة البيت ورعايته والقيام على شأنه. وكأنه عليه السلام نظر بنور النبوة من خلال آلاف السنين، فاخترق سجف المستقبل، فرأى ما سيؤول إليه أمر البيت من بعده، من وقوعه في أسار المشركين الوثنيين الصنمين، واتخاذهم إياه بيتاً لأصنامهم وأوثانهم، فابتهل إلى الله تعالى أن ينجي ذريته من الظلال بأن يجعلها أمة مسلمة، وأن ينجي بيته الحرام من أن تدنسه ضلالات الشرك والوثنية وذلك بأن يبين للناس مناسكهم التي منها حفظ حرمة البيت، وإخلاص العبادة فيه لله رب العالمين.
وهذان هما الدعاءان:
((مِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً)) [البقرة:128] ((وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا)) [البقرة:128]. ولكن إجابة هذا الدعاء وذاك لا تكون إلا من خلال إجابة دعاء ثالث. ذلك هو:
((رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ)) [البقرة:129] فإبراهيم عليه السلام طلب من ربه أن يجعل من ذريته أمة مسلمة، تعرف دينها ومناسكها، وذلك عن طريق رسول يبعث إلى هذه الأمة هو منها وليس غريباً عنها.
هذا الرسول هو محمد بن عبد الله، خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم وتلك الأمة هي أمته التي من الله عليها بذلك فقال: سبحانه:
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:128]، وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم هو دعوة أبيه إبراهيم عليه السلام فماذا كان شأنه مع البيت؟
محمد صلى الله عليه وسلم والبيت الحرام:
إن صلة رسول الله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام بالبيت الحرام تقوم على تلك الأصول الثلاثة التي رأيناها قبل ذلك لدى الخليل عليه السلام وهي:
1- إقامة البيت وبناؤه.
2- تطهير البيت من الشرك والوثنية.
3- إعلام الناس بفريضة الحج، وتعريفهم مناسكها.
وستقف مع كل واحدة من هذه الثلاثة وقفة وجيزة تزيدنا وضوحاً في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فيها.
أولاً: محمد عليه الصلاة والسلام وبناء البيت:
اتفق أن قريشاً نقضت البيت وأقامته بناء جديداً. وقد دعاهم إلى نقض البيت وبنائه من جديد أمور يذكرها المؤرخون منها:
1- أن امرأة كانت تجمر الكعبة أي تبخرها فطار من مجمرها شرارة نار فأمسكت بكسوة الكعبة فأحرقتها واحترقت الكعبة ووهي بناؤها.
2- أن السيل قد دخلها فصدع بنيانها بعد ذلك الوهن الذي كان من الحريق المذكور.
3- أن نفراً دخلوا إلى الكعبة فسرقوا حليها وكنوزها التي كانت قريش تضعها فيها. فأرادت قريش أن تبني الكعبة وأن ترفع بابها عن مستوى الأرض حتى لا يدخلها إلا من شاءوا.
4- فلما أجمعوا أمرهم على نقض الكعبة وبنائها من جديد قال ناصحهم: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيباً. لا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا. ولا مظلمة أحد من الناس. ثم إن قريشاً تجزأت الكعبة أي قسمت بناء الكعبة فيما بين قبائلها فاختصت كل قبيلة أو أكثر بجانب من جوانب الكعبة يقومون ببنائه، وذلك لما يروا في ذلك من شرف لا يدانيه شرف يبقى على الدهر كله. ولما عزموا أمروا بالحجارة أن تجمع. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل الحجارة وينقلها معهم.
روى الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: {لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم والعباس رضي الله عنه ينقلان بالحجارة. فقال: العباس للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل إزارك على رقبتك يقيك الحجارة.. وكان ذلك قبل أن يبعث فخر إلى الأرض فطمحت عيناه إلى السماء فقال: إزاري إزاري، فشده عليه}.
وفي رواية: {فسقط مغشياً عليه، فلم ير بعد ذلك عرياناً}( )
ويروى: {أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة فذهب يضعها على عاتقه، فبدت عورته من صغر النمرة، فنودي: يا محمد خمر عورتك، فلم ير عرياناً بعد ذلك أبداً}( ).
وأخذت قريش في بناء الكعبة حتى إذا بلغوا موضع الحجر الأسود اختصموا فيه. كل قبيلة تريد أن ترفعه ليكون لها شرف وضعه في مكانه دون القبائل الأخرى، حتى أعدوا للقتال عدته، وكادت الحرب تقع بينهم. وظلوا كذلك أربع ليال أو خمساً، ثم اتفقوا على أن يحتكموا إلى أول داخل عليهم، فكان أول داخل عليهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه استبشروا وقالوا: هذا الأمين، رضيناه حكماً. فلما أخبروه الخبر قال عليه الصلاة والسلام: هلم إلي ثوباً، فلما أتي به نشره وأخذ الحجر الأسود ووضعه فيه بيده، ثم أمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف من أطراف الثوب. فصنعوا ورفعوا جميعاً، حتى إذا بلغوا به موضعه رفعه صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ووضعه مكانه. وانقلب الجميع راضياً.
هذا ملخص وقائع الأمر الأول وهو بناء البيت الحرام. شارك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقل الحجارة ثم قام بالعمل الجليل الذي وقى الأمة شر القتال والدمار، وذلك بالحكم بين القبائل المتخاصمة حول من يضع الحجر مكانه، ثم كانت خاتمة الأمر كله أن وضع الحجر في مكانه بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: محمد صلى الله عليه وسلم وتطهير البيت:
يروي التاريخ: أن قريشاً جعلت من بيت الله الحرام بيتاً للأصنام فكانت الأصنام تحيط به من الخارج وتملأ جوفه من الداخل وتعلو سقفه من فوق. فصير المشركون بيت الله الحرام بيتاً للأصنام. وظل بيت الله الحرام في أغلال الشرك والوثنية حتى أذن الله أن يطهر من ذلك الرجس من الأوثان فبحث محمداً صلى الله عليه وسلم فخاصمه قومه فهاجر إلى المدينة. ثم فتح الله عليه مكة ودخلها رسول الله عليه الصلاة والسلام واتجه إلى الكعبة لحينه وكانت الأصنام تحوطها وتملأ جوفها وسقفها، قيل كان بها ستون وثلاث مائة صنمٍ فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحطمت، وكان صلى الله عليه وسلم يدفعها بعود في يده قائلاً: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً) فكانت الأصنام تقع على أدبارها. وطهر رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت الحرام من الأوثان والأصنام والشرك. وجعله خالصاً لوجه الله سبحانه.
ثالثاً: محمد صلى الله عليه وسلم ينادي في الناس بالحج:
قال الله تبارك وتعالى: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)) [آل عمران:96] ((فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ)) [آل عمران:97].
بهذه الآية الكريمة فرض الله الحج على رسوله وأمته. وقيل بل فرض الحج بآية ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) [البقرة:196]. والجمهور على الأول. ولما فرض الحج نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بأن الله فرض عليهم الحج، فأعلمهم فريضة الله تعالى عليهم ثم علمهم مناسكهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس: إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا}( ).
وبعد أن بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته أن الله فرض عليهم الحج، بين لهم مناسك الحج، وخرج حاجاً على رأس المسلمين في حجة الوداع فقال: للناس: {خذوا عني مناسككم}، فبين للناس مناسك الحج، وبين لهم أمور دينهم في خطبة من أجمع خطبه عليه الصلاة والسلام وهي خطبته في حجة الوداع.
من هذا العرض الموجز الذي قدمناه حول بيت الله الحرام. تبين لنا الصلة القوية الممتدة بين الجد خليل الله إبراهيم عليه السلام وحفيده خاتم النبيين محمد عليه الصلاة والسلام تلك الصلة القوية التي اخترنا أن نبين عن جانبها المتصل ببيت الله الحرام. والجانب المتصل بهذا البيت العتيق ينحصر في عمارته وعمارة البيت تقوم على أركان ثلاثة بيناها:
تقوم على بنائه وعلى تطهيره وعلى بيان مناسك العبادة فيه أو حوله. وقد اجتمع النبيان العظيمان على ذلك. ولكي تتحقق عمارة البيت بأركانها الثلاثة لا بد أن يكون البيت مثابة للناس وأمنا.
أما المثابة فتعني أن الناس يذهبون إلى البيت ثم يعودون إلى ديارهم، ثم يعودون إليه مرة ومرات، وهم لا يقضون وطرهم. بل يحبون العودة إليه دائماً. وحتى يتحقق للناس أن يذهبوا إلى البيت ثم يعودوا مرة ومرات. جعل الله البيت أمناً. فهو أمان لمن استعاذ به، حمى لمن احتمى به وكانوا في الجاهلية إذا لقي الرجل قاتل أبيه في الحرم لم يعرض له ولم يهجه، حتى يخرج منه. ولذا قال الله تعالى: ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ)) [العنكبوت:67].
ومن عجب أن الأمان الذي ضرب الله أطنابه على البيت وما حوله من الحرم، لم يقتصر على الإنسان بل تعداه إلى كل شيء فصار كل شيء في جواره آمناً. الإنسان والحيوان والنبات فالوجود كله آمن في جواره مطمئن في أساره يقول صلى الله عليه وسلم: {إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد من قبل، ولم يحل لي إلا ساعة من نهاره فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلي خلاه}( )
فقد أمَّن الله فيه الإنسان فلا يعتدى عليه ولو كان قاتلاً مطلوباً بثأر وأمن الله الحيوان في الحرم فلا يحل صيده ولا ينفر. وآمن الله فيه النبات والشجر فلا يقطع شجره ولا يعضد شوكه.
حفظ الله البيت الحرام وزاده تشريفاً وتعظيماً وتبريكا.