بوابة الحرمين الشريفين
جغرافية الحرمين الشريفين
مكة المكرمة مركز الإشعاعات الكونية الباطنية وقلب العالم

مكة المكرمة مركز الإشعاعات الكونية الباطنية وقلب العالم
تعددت جهود العلماء المسلمين في وضع الخارطات الجغرافية التي تظهر فيها مكة المكرمة وسط العالم ومركز الأرض اليابسة، وفي وضع دوائر دلائل القبلة لتحديد اتجاه القبلة لكافة المسلمين في جميع أرجاء العالم، فإنها جهود تفوق الوصف، ويتحقق منها يقيناً صحة ما رواه عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، في تفسيره للآية الكريمة: ((وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)) [هود:7].
فيروى عنه قوله: (إن أول ما خلق الله في الأرض مكان الكعبة، ثم دحا الأرض من تحتها، فهي سرة الأرض ووسط الدنيا، وأم القرى أولها الكعبة، ومكة حول بكة (الكعبة)، وحول مكة الحرم، وحول الحرم الدنيا، وإن قواعد البيت خلقت قبل الأرض بألفي سنة، ثم بسطت الأرض من تحت الكعبة).( ).
فالعلم كان سبيل العلماء المسلمين إلى دراسة الكون، يقول سبحانه وتعالى في سورة الجاثية: ((إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ)) [الجاثية:3] * ((وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [الجاثية:4] * ((وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [الجاثية:5]
ففي هذه الآيات الكريمة يحث سبحانه وتعالى المؤمنين، والموقنين، والذين يعقلون إلى التدبر في خلق الكون( ).
كما كان لتشجيع الخلفاء والسلاطين للعلماء وما أغدقوه عليهم من تكريم وتعظيم لقدرهم الأثر الكبير فيما حققوه من دراسات فلكية وجغرافية. فالخليقة المأمون شيد في الشماسية في بغداد مرصدًا للفلكي المشهور ثابت بن قرة الذي كان يعمل به على رأس سبعين عالماً( ). والسلطان مسعود الغزنوي بنى مرصدًا في غزنة عاصمة ملكه للبيروني وأنزله في قصره ليهيأ له أسباب الراحة والتفرغ للبحث العلمي( ). والخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بني للفلكي ابن يونس المصري أعظم علماء الفلك في مصر في القرن الرابع الهجري مرصدًا على جبل المقطم للقيام بدراساته الفلكية( ). وتأسيًا بتشجيع الخلفاء والسلاطين للعلماء دعا ملك صقلية النورماندي رجار الثاني الشريف الإدريسي ليضع له خارطة لصورة الأرض بعد أن وصلت إلى مسامعه شهرته العلمية. وفي ضيافة رجار الثاني عاش الإدريسي خمسة عشر عامًا أنجز فيها كتابه المشهور (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) وما ألحق به من خارطات للعالم( ).
ولسنا في هذا المجال بصدد الحديث عن إسهامات علماء المسلمين في الدراسات الفلكية والجغرافية، فقد كتب عن ذلك الكثير( )، وإنما ما نحن بصدده هو إبراز إسهاماتهم بما رسموه من خارطات للعالم ظهرت فيه مكة المكرمة في مركزه الوسطي.
فقد وصلنا من جهود العلماء المسلمين الفلكيين والجغرافيين أربعة أنواع من الخارطات العربية. أولها الخارطات المستديرة (على شكل دائرة) التي تصور المعمور من الأرض، والخارطات المستطيلة المسطحة التي رسموها بالإسقاط المساحي، والكرات الأرضية والسماوية التي أخذوها عن الإغريق وصححوا ما بها من أخطاء، ثم أبدعوا في رسمها منذ الربع الأول من القرن الثالث الهجري وحتى بلغت ذروة الازدهار في القرنين السابع والثامن الهجريين.
وكان لعلماء الإغريق منذ القرن الرابع قبل الميلاد جهود في توسيع وتطوير المعارف الفلكية والجغرافية التي وصلت إليهم من الأمم السابقة عليهم في مضمار الحضارة، وبخاصة قدماء المصريين والبابليين، وهو ما مكنهم من وضع حجر الأساس فيما عرف بالجغرافيا الرياضية، وبالتالي من رسم خارطة للعالم( ).
وقد شاع -حتى وقت قريب- أن بداية اشتغال المسلمين بالجغرافيا الرياضية كان عن طريق ما وصل إليهم من أعمال بطلميوس الجغرافي والفلكي المشهور الذي عاش في الإسكندرية ومات بها في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، وهذه الأعمال هي: (زيج بطلميوس) وكتاب (المجسطي)، وكتاب (الجغرافيا) المعروف بصورة الأرض، وقد ترجمت من السريانية إلى العربية حوالي سنة 180هـ.
ويهمنا من هذه الأعمال كتاب (الجغرافيا)، وهو أطلس يحتوي على ثماني مقالات، وخارطة للعالم ومعها 26 خارطة إقليمية لأجزاء العالم المختلفة. وكان أول من ترجمه من السريانية إلى العربية يعقوب بن إسحاق الكندي غير أنها كانت ترجمة رديئة، ثم ترجمه ترجمة جيدة ثابت بن قرة الحراني في عهد الخليفة المأمون، كما ترجمه مرة ثالثة ابن خرداذيه في كتابه (المسالك والممالك).
هذا ويوجد نسختان من كتاب (الجغرافيا) بالعربية إحداهما في مكتبة الآثار العامة ببغداد، والأخرى في مكتبة كلية الآداب بجامعة بغداد( ).
فالباحث القدير فؤاد سزكين نبه في صدر كتابه (مساهمة الجغرافيين العرب والمسلمين في صنع خريطة العالم) إلى ما ثار لديه من شكوك عند بداية اشتغاله بمجلد الجغرافيا من سلسلة (تاريخ التراث العربي) المخصص للجغرافيا عند العرب والمسلمين في صحة ما ينسب إلى بطلميوس من خرائط وأولها خارطة العالم، وأن هذه الشكوك أخذت تقوى حتى غدت يقينًا بأن هذه الخارطات التي تحمل اسم بطلميوس لا يمكن أن يكون قد رسمها هو أو غيره على أساس بيانات كتابه (جغرافيا). وقد جاءه هذا اليقين بمقارنته خارطة العالم التي رسمها جغرافيو الخليفة المأمون التي اكتشفت مؤخرًا بخارطة العالم التي تنسب إلى بطلميوس( ).
وفي رأي فؤاد سزكين أن ما حدث من تطور في الدراسات الفلكية والجغرافية منذ جهود الإغريق من بداية القرن الرابع قبل الميلاد وحتى زمن الخليفة المأمون (198- 218هـ/ 813- 833م) مكن الفلكيين والجغرافيين المسلمين وعلى رأسهم ثابت بن قرة الحراني الذين كلفهم الخليفة المأمون بوضع خارطة للعالم من اختبار الجهود الموروثة في هذا الصدد وتصحيح ما بها من أخطاء. وقد ساعد على ذلك البيئة الجديدة والظروف الملائمة والتطور العلمي نتيجة نشاط حركة الترجمة في عهد الخليفة المأمون( ).
وأما رابع الخارطات العربية التي وضعها الفلكيون والجغرافيون المسلمون فهي التي تعرف بدوائر دلائل القبلة والتي انفردوا بها. وجاء هذا النوع من الخارطات لاهتمام علماء المسلمين بعلم الفلك، لأن كثيرًا من العبادات في الإسلام تعتمد على ظواهر فلكية، كما حث الله عز وجل، في كثير من الآيات القرآنية على دراسة أجرام السماء ليلمس الناس قدرة الخالق وليروا روائع آياته وعظيم تدبيره.
وفيما يختص بالعبادات اهتموا بدراسة الفلك لتحديد أوائل الشهور القمرية، ولتحديد اتجاه القبلة في أي مكان يصلى فيه المسلمون، وتحديد مواقيت الصلاة في كل مكان على سطح الأرض( ).
هذا وتعيين القبلة يتحقق بحساب موقعها وزاوية ميلها إلى مشرق الشمس ومغربها على خطوط الطول والعرض، أو بحساب موقعها وزاوية ميلها عن اتجاهي الشمال والجنوب الجغرافي برصد النجم القطبي ليلاً، أو بواسطة البوصلة مع مراعاة درجات الانحراف المغناطيسي حسب موقع الراصد المجتهد لتحديد القبلة في تحري اقتفاء أثر مخرج الخارج من البيت الحرام، ولذلك يبدأ حساب القبلة من البيت الحرام للمسافر وللمقيم على السواء.
وأدلة القبلة هي إما أرضية كالاستدلال بالجبال والقرى والأنهار، أو هوائية كالاستدلال بالرياح، أو سماوية وهي النجوم. فأما السماوية فأدلتها منها تقريبية، وهي إما نهارية كالشمس، وإما ليلية وهو أن يستدل على القبلة بالكوكب الذي يقال له الجدي، فإنه كوكب كالثابت لا تظهر حركته من موضعه.
وأما الطريقة اليقينية فهي الوجوه المذكورة في كتب الهيئة وتحتاج معرفة سمت القبلة فيها إلى معرفة خط الطول لمكة وخط عرضها، وهو ما يعرف بالدلائل الفلكية والهندسية. وبناءً على ذلك أصدرت الهيئة القضائية العليا بالمملكة العربية السعودية سنة 1393هـ فتوى بشأن جواز تحديد القبلة بواسطة جهاز (جايرو تيود لايت) الذي يحدد اتجاه القبلة على درجة اليقين إذا ما عرف سمت القبلة وخط الطول والعرض للبلد الذي يراد معرفة اتجاه القبلة فيه، وأنه إذا تحقق إمكان إصابة عين القبلة باستعمال هذا الجهاز فانه لا يجوز لمن يتيسر له ذلك العدول عنه إلى غيره من أدلة القبلة الاجتهادية، إذ لا مجال للاجتهاد مع القدرة على إصابة العين، لأن العدول عنه حينئذ يكون بمنزلة العدول عن الحس والواقع إلى الحدس والتخمين( ).
وقد اعتمد علماء الفلك المسلمين منذ النصف الثاني من القرن الرابع الهجري في رسم دوائر دلائل القبلة لكافة البلاد الإسلامية في العالم القديم على الأدلة الفلكية والهندسية معًا، وذلك قبل اختراع البوصلة بقرون عديدة ثم اختراع جهـاز (الجإيرو تيود لايت) حديثًا. فقد توالت منذ النصف الثاني من القرن الرابع الهـجري وحتى النصف الثاني من القرن العاشر الهجري جهود علماء الفلك المسلمين في تحرير اتجاه القبلة بدرجة كبيرة من الدقة تكاد تقترب من اليقين. وممن برز من علماء الفلك المسلمين في هذا المجال نذكر اليوزجاني، وابن يونس المصري، والبيروني، وأبو عبيد الله البكري، وابن جماعه، وابن سراقه العامري، وابن فضل الله العمري، والخليلي، وابن الوردي، والصفاقسي( ). ولم تتوقف جهود علماء المسلمين في العصور الحديثة في تحديد اتجاه القبلة وبخاصة بعد اكتشاف العالم الحديث وانتشار المسلمين في كافة أرجاء العالم القديم والحديث، ونذكر من هؤلاء العلماء ابن عابدين( )، والدكتور المهندس حسين كمال الدين أحمد إبراهيم، ومن علماء مكة محمد ظاهر الكردي، ومحمد إلياس الفالوذه( ).
ومما يزيد في تقديرنا لجهود علماء المسلمين القدامى والمحدثيم، فلكيين وجغرافيين ومهندسين في تحديد اتجاه القبلة بدرجة تقترب من اليقين أنه يشترط لاستخدام جهاز (الجايرو تيود لايت) في تحديد اتجاه القبلة معرفة المسافة بين البلد المطلوب تحديد القبلة له ومكة، وكذلك معرفة خط الطول والعرض لهذا البلد( ).
وإذا كان قد توفر لعلماء المسلمين في العصور الإسلامية الأولى معرفة خطوط الطول والعرض، فإنه لم يكن قد توفر لهم معرفة المسافات على وجه الدقة بين مكة وكل بلد من البلاد الإسلامية.
وأما النوع الثالث من خارطات الفلكيين والجغرافيين المسلمين. فهي التي رسموها على الكرات الأرضية المصنوعة من الخشب أو من الفضة أو من النحاس وعليها صور الأفلاك والنجوم، والتي عرفت بالكرات الأرضية والسماوية. وقد أخذوا أيضًا هذا النوع من الخارطات عن الفلكيين والجغرافيين الإغريق، ثم أجادوا رسمها مع تقدمهم عبر العصور الإسلامية في الدراسات الفلكية والجغرافية. فأقدم ما وصل إلى علمنا عن صنع الكرات الأرضية والسماوية وما رسم عليها من خارطات الكرة المعدنية التي صنعها كراتس المالوسي Crates Mallus الذي عاش في قيليقيا في أوائل القرن الثاني قبل الميلاد، والكرة التي صنعها بطلميوس السكندري في نفس القرن.
وقد شاءت الأقدار أن تؤول الكرة الثانية إلى خالد بن يزيد بن معاوية الذي كان أول من اهتم بترجمة العلوم اليونانية إلى اللغة العربية، وأن تؤول مرة ثانية وبعد أن مضي على صنعها حوالي اثني عشر قرنًا إلى مكتبة القصر الفاطمي بعناية الوزير الفاطمي أبي القاسم الجرجرائي سنة 425هـ/ 1034م. كما كان في مكتبة القصر الفاطمي أقدم كرة أرضية وسماوية قام بصنعها أحد علماء الفلك والجغرافيا المسلمين، وهي التي صنعها أبو الحسين الصوفي عبد الرحمن بن عمر -الذي عاش فيما بين سنتي 291- 376هـ/ 903- 986م- للملك البويهي عضد الدولة في مدينة شيراز، وكان وزنها ثلاثة آلاف درهم من الفضة، كما صنف له كتابًا في الفلك بعنوان: (الصور السمائية)( ) ، وكتابًا آخر بعنوان: (صور الكواكب الثابتة)( ). وكانت هاتان الكرتان تعدان من نفائس مكتبة القصر الفاطمي، ومما يؤسف له أنهما فقدتا مع ما كان في هذه المكتبة من كتب ونفائس أخري عندما أمر صلاح الدين الأيوبي ببيع محتوياتها العلمية بالمزاد العلني مدفوعًا بعدائه للمذهب الشيعي( ).
وقد أبدع الفلكيون والجغرافيون المسلمون حتى القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي في صنع الكرات الأرضية والسماوية، وبلغ اعتزاز الخلفاء والسلاطين والملوك التي كانت تهدى إليهم هذه الكرات الأرضية والسماوية بقيمتها العلمية أن حرصوا على إيداعها في خزائن كتبهم( ).
ومن المؤسف أنه لا خزائن الكتب ولا المتاحف في الدول الإسلامية كافة حفظت لنا أيه كرة من هذه الكرات الأرضية والسماوية، في حين زخرت المكتبات الوطنية والمتاحف في عدد من المدن الأوربية ببعض هذه الكرات التي نقلت إليها وظلت محفوظة بها حتى عصرنا الحاضر تشهد بنبوغ علماء المسلمين في الدراسات الفلكية والجغرافية. فمن المكتبات والمتاحف الوطنية التي لا تزال تحتفظ بواحدة أو باثنتين من هذه الكرات متحف التاريخ والعلوم في فلورنسا، والمتحف الوطني في نابلي، ومتحف بورجيا بمدينة فيللتري بإيطاليا، والمتحف البريطاني في لندن، ومعرض الرياضيات في درسدن بألمانيا، والمكتبة الوطنية في باريس( ).
وفي عصر النهضة ومع بداية العصر الحديث أخذ الأوربيون فيما أخذوه من الحضارة الإسلامية صناعة هذه الكرات الأرضية والسماوية واستفادوا بما رسم عليها من خارطات وما حوته من حقائق فلكية وجغرافية. وأقدم نموذج أوربي لذلك الكرة التي صنعها البحار والجغرافي الألماني مارتن بيهايم سنة 1492م، وهي نفس السنة التي اكتشف فيها كولومبس العالم الجديد معتمدًا على خارطات الإدريسي للعالم( ).
وليس ثمة شك في أن تقدم علماء الفلك والجغرافيا المسلمين في صناعة الكرات الأرضية والسماوية قد أسهم في تقدم جهودهم في رسم الخارطات بكافة أنواعها. ولكي نبرز جهودهم في هذا الصدد سننقل في الصفحات التالية ما وصل إلى علمنا من أوصاف الكرات الأرضية والسماوية التي صنعها ثلاثة من مشاهيرهم، وهم: إبراهيم بن سعيد السهلي، والشريف الإدريسي، وعلم الدين قيصر المعروف بتعاسيف( ).
هذا ويرجع فضل السبق في دراسة النوعين الأول والثاني من الخارطات العربية إلى المستشرق الألماني كونراد Konrad Miller الذي استخرج من كتب التراث العربي جميع الخارطات العربية القديمة وصورها عن الأصل ونشرها في مدينة شتوتجارت بألمانيا بعنوان: (الخارطات العربية Mappae Arabicae) في ستة مجلدات فيما بين عامي 1926 و 1931م مصحوبة بدراسة عن علم الخارطات العربية، وقد بلغ عدد الخارطات العربية التي نشرها مائتين وخمسة وسبعين خارطة باستثناء خارطات الإدريسي وقد سماها أيضًا (أطلس الإسلام)( ).
وأخذ أحمد سوسة في دراسته عن الشريف الإدريسي وكتابه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) عددًا كبيرًا من الخارطات التي نشرها كونراد ميللر ليستعين بها في دراسة جهود الفلكيين والجغرافيين المسلمين في حقل الدراسات الفلكية والجغرافية قبل الإدريسي وبعده. ونحن بدورنا أخذنا عن أحمد سوسة بعض ما أخذه عن كونراد ميللر من خارطات عن العالم، أو عن ديار العرب كمركز للعالم، وبخاصة تلك التي تظهر فيها مكة تتوسط العالم، ولهذا وجب التنويه والإشادة بدور كونراد ميللر وأحمد سوسه في مجال علم الخارطات العربية. وبالإضافة إلى ما أخذه أحمد سوسه عن كونراد ميللر من خارطات فقد أخذ عن المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب) خارطة مستديرة أخذها جوستاف لوبون بدوره عن المستشرق الفرنسي بريس الأفيني Prisse D''Avens( ) في كتابه: (الفن العربي من خلال آثار القاهرة L''art arabe d''apres les monumsents du Caire)
وتعد هذه الخارطة أهم خارطة في مجموعة الخارطات العربية التي استشهدنا بها في بحثنا هذا، إذ تتوسط فيها مكة العالم القديم في دقة متناهية وفي رسم هندسي دقيق تظهر فيه مركز العالم الوسطي( ).
وأما عن دوائر دلائل القبلة فإن أحمد سوسه لم يذكر منها، ونقلاً عن ميللر أيضًا، سوى دائرتين لابن الوردي (ت 861هـ) وللصفاقسي (ت 958هـ). وفي طريق تتبعي لجهود الفلكيين المسلمين في رسم دوائر دلائل القبلة وجدت عددًا آخر منها ما كان في صورة دائرة فقط كدائرة دلائل القبلة للقزويني (ت 682هـ)، ومنها ما كان وصفًا لهذه الدائرة دون رسم توضيحي لها، كوصف أبي عبيد الله البكري، وابن جماعه، وابن سراقة العامري، ومنها ما كان دائرة مصحوبة بوصف تفصيلي يحدد قبلة أهل كل الأرض من جهات الكعبة المشرفة، وهي الدائرة التي أوردها شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري في كتابه (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار)، وألحقها برسم دائرة ثانية عن صورة الأفلاك والبروج والكواكب السبعة السيارة( ).
وكما سبق أن قلت لا يتسع المجال للحديث عن إسهامات علماء المسلمين الفلكية والجغرافية عامة( )، وإنما يعنينا من هؤلاء العلماء من أسهم منهم، ومن وصلنا عنهم -على وجه التخصيص- خارطات للأرض، أو لبلاد العرب، أو دوائر دلائل القبلة يتضح فيها توسط مكة المكرمة والكعبة المعظمة للعالم للاستشهاد بها كدليل علمي وعملي على صحة وصف علماء المسلمين لمكة المكرمة وللكعبة المعظمة من أنهما سرة الأرض ووسط الدنيا.
ثابت بن قرة الحراني:
ومن أوائل من أسهم من علماء الفلك المسلمين بدراسات هامة في هذا الميدان ثابت بن قرة الحراني، فقد كان من المشتغلين بالدراسات الفلكية والجغرافية في زمانه، وينسب إليه -كما سبق أن ذكرت-، ترجمة كتاب: (الجغرافيا) لبطلميوس من السريانية إلى العربية ترجمة جيدة، وكان قد ترجمه قبله يعقوب ابن إسحاق الكندي إلا أنها كانت ترجمة رديئة( ).
وقد تفرغ ثابت بن قرة الحراني على رأس فريق من سبعين باحثًا في الفلك للعمل في المرصد الذي بناه له الخليفة المأمون في الشماسية في بغداد وكلفهم بقياس نصف قطر الأرض، وهو ما توصلوا إليه ثم استنبطوا منه بدراسة رياضية طول محيطها. ويعد هذا القياس الذي توصل إليه ثابت بن قرة الحراني ومساعدوه ثاني قياس علمي سليم لمحيط الأرض، وكان القياس الأول قام به قبل الميلاد العالم أرتوستينيس في مدرسة الإسكندرية. كما وضع ثابت بن قرة الحراني اللبنات الأولى في بناء صرح أعظم فروع علم الرياضة الحديثة شأنًا، وهو حساب التفاضل والتكامل( ).
فحينما شرع ثابت بن قرة الحراني ومساعدوه في العمل على تحقيق ما كلفهم به الخليفة المأمون قاموا بتصحيح وتطوير ما وصل إليهم من علماء الإغريق في الدراسات الفلكية والجغرافية إذ لم يكونوا يفتقرون إلى النضوج والكفاءة اللازمة في علوم الهندسة والفلك والجغرافيا الطبيعية والبشرية( ).
كما أثمر تفرغ ثابت بن قرة الحراني ومساعدوه للبحث في مرصد الشماسية في وضعهم صورة للأرض، سموها الصورة المأمونية تكريمًا للخليفة المأمون. وقد صوروا فيها العالم بأفلاكه ونجومه، وبره وبحره، وغامره وعامره، ومدنه.
وفاقت هذه الصورة ما تقدمها من صور للعالم وضعها علماء الإغريق. كما ألحقوا بهذه الصورة كتابًا في وصفها استعان به عمال الدولة على التعرف على البلاد والأمم التابعة للدولة العباسية( ).
وكنا إلى سنوات قريبة نعتقد أن هذه الصورة التي كانت أول ما وضعه علماء المسلمين من صور للأرض قد فقدت. فقد اكتشف فؤاد سزكين أثناء إعداده لكتابه (مساهمة الجغرافيين العرب والمسلمين في صنع خريطة العالم) الذي نشر سنة 1987م هذه الصورة التي سميت (رسم الربع المعمور) في النسخة الخطية للجزء الأول لكتاب (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) لابن فضل الله العمري المحفوظة في مكتبة احمد الثالث بمتحف طوبقبو سراي باستانبول تحت رقم 2797( ).
الخوارزمي:
وممن برز في العلوم الفلكية والجغرافية في أوائل القرن الثالث الهجري الخوارزمي الذي كان أعظم جغرافي وفلكي مسلم في عصره، ويرجع إليه الفضل في وضع أسس الجغرافيا العربية. كما انصرف الخوارزمي إلى دراسة الرياضيات، وأهم كتبه فيها كتاب (حساب الجبر والمقابلة) الذي لا يزال يعرف بهذا الاسم حتى عصرنا الحالي عند العرب والأوربيين. كما أن الخوارزمي هو واضع الحساب الذي سماه الأوربيون (لوغاريتم)، وهي تسمية محرفة عن اسم الخوارزمي (الكوارزم).
وأهم كتب الخوارزمي في الجغرافيا كتاب صورة الأرض الذي وصل إلينا بشكل ناقص، ويعتقد أنه كان بهذا الكتاب خارطة للعالم. وقد صح هذا الاعتقاد، فقد اكتشف في القاهرة أخيرًا مخطوطة جغرافية بعنوان: (صورة الأرض) ومنسوبة على غلافها لأبي جعفر محمد بن موسي الخوارزمي استخرجها من كتاب الجغرافيا الذي ألفه بطلميوس القلوذي( ).
كما ألف الخوارزمي كتابًا في الأسطرلاب سماه (كتاب العمل بالإسطرلاب)، واختصر أيضًا كتاب (المجسطي) بناء على طلب الخليفة المأمون وسماه (السند هند)، والذي كان أساسًا لعلم الفلك في ذلك العصر، كما وضع في علم الفلك كتاب الزيج الأول وكتاب الزيج الثاني( ).
البتاني:
وفي أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجريين، نبغ البتاني الذي كان له الفضل في اكتمال الانبعاث الجغرافي العربي، وقد قضي البتاني معظم حياته يرصد الأجرام السماوية في مرصد الرقة على الضفة اليسرى لنهر الفرات حتى وفاته سنة 317هـ/ 929م، وتوصل خلالها إلى وضع الزيج المعروف بالزيج الصابي. وفي هذا الزيج الذي ضمنه أرصاده للكواكب الثابتة، صحح الكثير من أخطاء بطلميوس في هذا الصدد.
وقد ترك لنا البتاني خارطة للعالم، وهي أول خارطة للعالم مستطيلة (مسطرة) وضعها الجغرافيون والفلكيون المسلمون، وتظهر في وسطها بلاد العرب. ومما هو جدير بالذكر أن البتاني في خارطته هذه جعل الجنوب في أعلى الخارطة، والشمال في أسفلها، على خلاف خارطة بطلميوس، وقد سار على نهجه هذا معظم الجغرافيين والفلكيين المسلمين في رسم خارطاتهم للعالم. ويفسر ذلك بأن البتاني كره أن تكون مكة والمدينة في أسفل الخارطة، ولذلك جعل الجنوب في أعلى الخارطة لتكون مكة والمدينة في أعلاها، وهذا الوضع لا يغير من صحة الاتجاهات الجغرافية بالنسبة لوضع الأماكن في الخارطة( ). ومع قبولنا بهذا التفسير لذلك الوضع لهذه الخارطة، إلا أنه يجدر بنا أن نذكر أن مكة والمدينة لا تظهران في رسم بلاد العرب، وربما يرجع ذلك إلى أن رسم الجغرافيين المسلمين للخارطات الجغرافية كان لا يزال في مراحله الأولى.
الجيهاني:
نسبة إلى مدينة جيهان بخراسان، وهو من أشهر الجغرافيين المسلمين في أوائل القرن الرابع الهجري، وقد صنف كتابًا بعنوان: (المسالك في معرفة الممالك) أو (المسالك والممالك) غير أن هذا الكتاب فقد ولم يصل إلينا. ووصل إلينا من آثاره الجغرافية خارطة للعالم، وهي تمثل نقطة تحول في علم الخارطات العربية. وهذه الخارطة رسمها الجيهاني بالشكل الدائري للعالم، أي على نمط الخارطات المستديرة( )، ولم تظهر على هذه الخارطة بلاد العرب، وإنما ظهر عليها بحر جدة (البحر الأحمر).
البلخي:
ولد البلخي في إحدى قرى بلخ حوالي سنة 235هـ، وتوفي سنة 322هـ، وكان للبلخي من المصنفات ما يقرب من ستين مصنفًا لا يعرف منها غير أسمائها، وأهم هذه المصنفات كتاب يسمى (صور الأقاليم). وفي هذا الكتاب رسم البلخي الأرض والأقاليم الإسلامية بالخرائط الملونة على ما بلغ إليه جهد العرب في ذلك العصر. ومع أن هذا الكتاب مفقود إلا أنه وصل إلينا الكثير منه في مصنفات الإصطخري وابن حوقل. وقد عدت مجموعة الخارطات التي تضمنها مصنفات الإصطخري وابن حوقل ممثلة للخارطات التي وضعها البلخي في كتاب (صور الأقاليم) لأن الإصطخري نقل عن البلخي، ثم أخذ ابن حوقل عن الإصطخري. وقد أحصى ميللر للبلخي ستين خارطة عثر عليها في المخطوطات القديمة، منها خارطة العالم وصورة لديار العرب تظهر في وسطها مكة، كما تظهر عليها المدينة والطائف( ).
الإصطخري:
يوضح الإصطخري الخطة التي سار عليها في كتابه (المسالك والممالك) فيذكر أنه خصص لكل إقليم من بلاد الإسلام صورة على حدة، بين فيها شكل ذلك الإقليم وما يقع فيه من المدن، وسائر ما يحتاج إليه علمه، ففصل بلاد الإسلام عشرين إقليمًا، وابتدأ بديار العرب فجعلها إقليمًا لأن فيها الكعبة ومكة أم القرى وهي واسطة هذا الإقليم. ثم أتبع ذلك سائر الأقاليم التي بلغت عشرين إقليمًا، ووضع لكل إقليم صورة. ومدخلاً لصور العشرين إقليمًا وضع الإصطخري صورة عامة للأرض سماها (صورة الكل) وبذلك بلغت صوره في كتابه إحدى وعشرين صورة. وهكذا جعل الإصطخري المصورات الجغرافية أساساً في دراسته عن الأقاليم، وجاء ذلك على شكل أطلس سماه (صورة الأقاليم).
وكتاب (المسالك والممالك) للإصطخري نشره دي غويه المستشرق الهولندي بدون خارطات، وكان الأول في مجموعة الكتب الجغرافية العربية التي طبعت في ليدن بعنوان (المكتبة الجغرافية) سنة 1870م، وطبع هذا الكتاب طبعة ثانية سنة 1927م. ثم قام مؤخرًا الدكتور محمد جابر الحيني بتحقيق كتاب (المسالك والممالك) كاملاً وألحق به خارطات الأقاليم التي وضعها الإصطخري والتي أثبتت نسبتها إلى الإصطخري.
ولما كانت هذه الخارطات التي وضعها الإصطخري من أوائل الخارطات الجغرافية العربية، فقد جاءت على صورة بدائية غير دقيقة، ولاسيما (صورة العالم) المستديرة التي سماها (صورة الكل)، ثم أعاد رسمها وسماها (صورة ثانية للعالم) مع شيء بسيط من التعديل، كما رسم الإصطخري (صورة ديار العرب)، وفيها تظهر مكة قريبًا من مركز الدائرة( ).
ابن حوقل:
وبعد الإصطخري ظهر الرحالة والجغرافي العربي المشهور بابن حوقل، والمتوفي سنة 367هـ/ 977م. وقد صنف ابن حوقل كتابه المسمى (كتاب صورة الأرض) بعد تجوال في البلاد الإسلامية دام زهاء ثمان وعشرين سنة، ورفع مسودته الأولى إلى سيف الدولة الحمداني. والكتاب نشره المستشرق الهولندي دي غويه ضمن مجموعة المكتبة الجغرافية العربية سنة 1873م، ثم طبع طبعة ثانية في لندن سنة 1938م، وطبعة أخري حديثة في بيروت.
واتبع ابن حوقل نهج الإصطخري في تقسيم الأقاليم إلى عشرين إقليماً، ووضع صورة لكل إقليم منها، وبدأ بديار العرب فجعلها إقليماً واحداً، وفي ذلك يقول: (فابتدأت بديار العرب لأن القبلة بها ومكة فيها وهي أم القرى وبلد العرب وأوطانهم التي لم يشركهم في سكناها غيرهم). وافتتح ابن حوقل خارطاته للأقاليم بخارطة العالم سماها (صورة جميع الأرض) مقابل تسمية الإصطخري لخارطته (صورة الكل)، وفي هذه الخارطة تظهر ديار العرب في مركزها. وأما خارطة ديار العرب فقد رسمها ابن حوقل بشكل أوضح من خارطة الإصطخري لنفس الديار، وعن هذه الصورة يقول: (وفي وسط الصورة رسمت مدينة مكة تحيط بها كتلة جبال متلاصقة، وأنا مبتدئ من ديار العرب بذكر مكة)( ).
المقدسي:
ولد المقدسي سنة 335هـ/ 946- 947م في بيت المقدس، وهو صاحب كتاب (أحسن التقاسيم). ولم يسبقه شخص في اتساع مجال أسفاره وعمق ملاحظاته، ولذلك يعد كتابه من كتب الرحلات. غير أنه في نفس الوقت كانت له شهرة كجغرافي في مجال رسم الخارطات. وقد صنع المقدسي صورة للأرض إلا أنها فقدت ولم تصل إلينا، وأما صوره للأقاليم فقد وصلنا منها ثلاثة وهي: صورة العراق، وصورة ديار العرب، وصورة الجزيرة، ويهمنا منها صورة ديار العرب وتظهر فيها مكة بوضوح، وكذلك المدينة والطائف( ).
المسعودي:
يعد المسعودي من أبرز صناع الخارطات العربية في النصف الأول من القرن الرابع الهجري. وهو ينتمي إلى أسرة حجازية يتصل نسبها بالصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه. وفي شبابه خرج من بغداد سنة 301هـ/ 913م وجاب آفاق الأرض إلا أنه استقر أخيراً في مدينة الفسطاط بمصر حيث توفي سنة 346هـ/957م.
ولم يصلنا من كتبه التي قيل إنها بلغت 34 كتابًا إلا كتابين كاملين، هما: كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) وكتاب (التنبيه والإشراف). وأما كتابه الرئيسي والمطول الذي يشير إليه دائمًا في كتابيه السابقين والمسمى (أخبار الزمان ومن أباده الحدثان وعجائب البلدان) فلم يصلنا منه إلا مختصر صغير. وفي كتابيه (مروج الذهب) و (التنبيه والإشراف) تحدث المسعودي عن مواضيع جغرافية فلكية على قدر كبير من الأهمية، وقد سبق أن استشهدنا ببعضها.
غير أن أهم ما وصل إلينا من أعمال المسعودي في الجغرافيا خارطة مستديرة للعالم أسماها صورة الأرضي، وعلي الرغم مما يؤخذ عليها من بعض المآخذ إلا أنها تعد أصح الخارطات العربية التي ظهرت في النصف الأول من القرن الرابع الهجري إذا ما قورنت بما سبقها من خارطات عربية، ففي مركز الأرض اليابسة تظهر بلاد العرب( ).
البوزجاني:
وهو أبو الوفاء البوزجاني الحاسب المتوفي سنة 388هـ/ 939م، يعد من أشهر الفلكيين بعد البتاني. وقد كان لدراساته الأثر الكبير في تقدم العلوم الفلكية في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري. ومن أهم مصنفاته: (الزيج الشامل)، وكتاب (الكامل)، وكتاب (معرفة الدائرة من الفلك). ولهذا الكتاب الأخير أهمية كبري، إذ كان بداية جهود علماء الفلك المسلمين في رسم دائرة دلائل القبلة( ).
ابن يونس المصري:
وهو من أعظم علماء الفلك من العرب بعد البتاني وأبي الوفاء البوزجاني، وهو أول من اخترع بندول الساعة وليس جاليليو كما يقول الأوربيون. وكان ابن يونس مختصاً بعلم النجوم، ولذلك بنى له الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله مرصداً على جبل المقطم قرب مدينة الفسطاط، وأثمر تفرغه في هذا المرصد لرصد النجوم إلى كتابة الزيج المعروف بالزيج الحاكمي نسبة إلى الخليفة الحاكم بأمر الله، وبزيج ابن يونس نسبة له.
ومن أجل أعماله الفلكية أنه حسب بدقة ميل دائرة البروج، وذلك بعد أن رصد كسوف الشمس وخسوف القمر، وهو أول من توصل إلى حل بعض محاولات حساب المثلثات التي لها استخدامات واسعة في مجال الفلك.
وقد ساعدت أبحاثه الفلكية، وكذلك أبحاث البوزجاني، من جاء بعدهما من الفلكيين المسلمين في رسم دائرة العالم التي تحيط بالكعبة قبلة المسلمين في كل بقاع الأرض( ).
البيروني (362- 440هـ/ 973- 1048م):
يعد البيروني أوسع علماء المسلمين الأول شهرة في مجال العلوم الفلكية والجغرافية الطبيعية والرياضية( ). وقد ألف وصنف عددًا كبيرًا من الكتب والمقالات اختلف المؤرخون له في عددها، فمن قائل: إنها 417 كتابًا ومقالة( ). ومن قائل: إنها قاربت المائتين( )، ومن قائل: إنها بلغت 120 كتاباً ومقالة( ). غير أنه لم يصلنا من هذه الكتب والمقالات إلا أربعة كتب رئيسية، وهي:
1- (الآثار الباقية من القرون الخالية) الذي انتهى من تصنيفه سنة 390هـ/ 1000م، وهو في سن السابعة والعشرين تقريبًا، وكان يقيم وقتها في جرجان. وفي هذا الكتاب أوضح البيروني أصول الرسم على سطح الكرة ومبادئ الفلك الكروي Spherial Astronomy وهذا الكتاب هو أول ما طبع من كتب البيروني، فقد حقق وطبع في برلين سنة 1878م( ).
2- (تحقيق ما للهند من معقولة في العقل ومرذولة)، والذي يسمي أيضًا (كتاب الهند)، وهذا الكتاب كتبه البيروني خلال مصاحبته للسلطان محمود الغزنوي في فتوحاته في الهند، ويعد من أهم ما كتب في ذلك العصر في حقل الجغرافية الإقليمية( ).
3- القانون المسعودي في الهيئة والنجوم، وقد سماه باسم السلطان مسعود ابن السلطان محمود الغزنوي (432- 440هـ/ 1041- 1048م) الذي أنزله معه في قصره وهيأ له الإقامة المريحة والتفرغ للبحث العلمي. ويشتمل (القانون المسعودي) على إحدى عشرة مقالة، كل منها مقسم إلى أبواب تبلغ في مجموعها 142 بابًا تغطي جميع الأرصاد الفلكية حتى عصر البيروني. وهذا الكتاب هو أشهر كتب البيروني، وقد قامت دائرة المعارف العثمانية في الهند بطبع هذا الكتاب سنة 1954م( ).
4- تحديد الأماكن لتصحيح مسافات المساكن، ويدور موضوع هذا الكتاب حول تحديد العروض الجغرافية والاختلاف في تحديد أطوال المواضع والتطبيق العلمي للمناهج السائدة، وقد ألفه البيروني سنة 416هـ/ 1025م. ولم يعرف هذا الكتاب إلا بعد أن قام بتحقيقه محمد بن تاويت الطنجي ونشره في أنقره سنة 1962م( ). ويعد هذا الكتاب الكتاب الأساسي لتاريخ الجغرافيا الرياضية، وكان له دور كبير في بحث تاريخ العلوم العربية والإسلامية عامة والجغرافية خاصة( ).
- ومن أهم الكتب والمقالات التي ألفها وصنفها البيروني في الفلك والجغرافيا الطبيعية والتي فقدت ولم تصل إلينا، ما يأتي:
1- كتاب رؤية الأهلة.
2- كتاب كرية السماء.
3- كتاب تحقيق حركة الشمس.
4- كتاب تحقيق منازل القمر.
5- كتاب الإرشاد في أحكام النجوم.
6- كتاب جوامع الموجود لخواطر الهنود في حساب التنجيم.
7- كتاب دوائر السماوات في الأسطرلاب( ).
8- كتاب التفهيم لأوائل صناعة النجوم، وهذا الكتاب ألفه في عهد السلطان مودود بن السلطان مسعود وحفيد السلطان محمود الغزنوي. ومحتوي هذا الكتاب لا ينطبق على عنوانه تمام الانطباق حيث اشتمل على مواضيع أوسع، فهو يعد موسوعة كبري تعالج مسائل فنية مثل: مصطلحات الهندسة والحساب والفلك والجغرافية وحساب الأوقات ووصف الأجهزة الفلكية والتنجيم، ووضع البحار من المعمورة، وكيفية ضبط العروض والأطوال وخط الاستواء وارتفاع الشمس وقبة الأرض.
9- كتاب الجماهر في معرفة الجواهر، وهو يبحث في المعادن والفلزات خاصة الأحجار الكريمة( ).
- وعن القبلة وتحديد اتجاهها ودلائلها:
10- كتاب دلائل القبلة( ).
11- مقالة في: إيضاح الأدلة على كيفية سمت القبلة.
12- مقالة في: تقويم القبلة ليس بتصحيح طولها وعرضها.
13- مقالة في: تلافي عوارض الزلة في كتاب دلائل القبلة( ).
وفي تحديد اتجاه القبلة ذكر البيروني طريقتين أولاهما: تعتمد على الحسابات المثلثية باستخدام قوانين الرياضيات المعروفة في زمنه، وثانيهما: هندسية بحتة سماها الطريق الصحيح لمعرفة سمت القبلة ولا تحتاج إلى الحسابات المعقدة تسهيلاً للأئمة في تحديد اتجاه القبلة في البلدان الإسلامية( )
- وعن أطوال البلاد وعرضها وسموت (جمع سمت) بعضها على بعض: 14- كتاب تحديد المعمورة وتصحيحها في الصورة.
15- كتاب تهذيب الأقوال وتصحيح العروض والأطوال.
16- كتاب سكون الأرض وحركتها.
17- كتاب تصحيح المنقول من العرض والطول.
18- مقالة في تصحيح الطول والعرض لمساكن المعمور من الأرض.
19- مقالتان في تعيين البلد من العرض والطول( ).
هذا ومن أهم ما توصل إليه البيروني في دراساته الفلكية والجغرافية الطبيعية الحقائق العلمية الآتية:
1- إثبات دوران الأرض حول محورها، وكان الاعتقاد السائد قبل البيروني أن الأرض ساكنة في جوف الفلك.
2- حساب طول نصف قطر الأرض وحساب محيط الأرض على قدر كبير من الدقة من قانون استنبطه بنفسه ويعرف لدي الأوربيين حتى الآن باسم (قاعدة البيروني).
وفي هذا الصدد يذكر العالم الإيطالي نللينو أن القياس الذي قام به الفلكيون في عهد الخليفة المأمون وعلى رأسهم ثابت بن قرة، والقياس الذي قام به البيروني لمحيط الأرض من الأعمال المجيدة المأثورة للعرب.
3- إيجاد زاوية ميل محور الأرض على مسارها حول الشمس وتحويل الإحداثيات السماوية بعضها على بعض.
4- التوصل إلى قوانين الاستكمال في صورتها المبسطة قبل نيوتن بستة قرون، وهي القوانين التي تعتمد عليها النظريات والأرصاد والحسابات الفلكية.
5- تعيين خطوط الطول والعرض وتعيين اتجاهات القبلة.
6- إيضاح استعمال الأرقام الهندية مع استعمال الأصفار لمقام الخانات.
7- حساب الثقل النوعي للمعادن والأحجار الكريمة( ).
هذا وقد أدت اهتمامات البيروني الفلكية فيما يختص بتعيين القبلة وخطوط الطول والعرض إلى أن يبرز أيضاً في مجال الخارطات الجغرافية، فقد وضع البيروني ثلاث صور للأرض على درجة كبيرة الأهمية، وهي:
1- صورة الأرض، وفيها تقع ديار العرب وفيها مكة وسط خارطة الكرة الأرضية. وهذه هي أول خارطة للعالم القديم من حيث الوضوح والدقة وتعد تطوراً جديداً في علم الخارطات الجغرافية عند العرب. ويكفي للدلالة على أهميتها أنها تماثل من حيث التخطيط ما يتبع في عصرنا في رسم الخارطات الجغرافية( ).
2- تقسيم الأقاليم السبعة. وفيه يتضح أن الإقليم الثاني يقع في منتصف الكرة الأرضية، وفي هذا الإقليم تقع مكة.
3- شكل الكون عند الجغرافيين العرب، وهي دراسة فلكية أسهمت فيما بعد في رسم دوائر تحديد القبلة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي في دقة متناهية( ).
وبالإضافة إلى هذه الخارطات الجغرافية والفلكية التي وضعها البيروني للأرض فقد صنع نموذجًا مجسمًا لنصف الكرة الأرضية على هيئة كرة مستديرة( ).
ولهذا كله استحق البيروني المتوفي سنة 440هـ/1048م أن يصفه مؤرخو العلم الأوربيين المعاصرين بأنه أعظم عقلية عرفها تاريخ العصور الوسطى، وأنه من كابر علماء العالم( ).
أبو عبيد الله البكري:
وهو جغرافي أندلسي مشهور، ويرجع نسبه إلى قبيلة بكر التي كان لها شأن كبير بين القبائل العربية في غربي الأندلس، وقد توفي في قرطبة سنة 487هـ/ 1094م.
قد ورد لنا من كتب البكري كتابان، أولهما: كتابه: (معجم ما استعجم)، وهذا الكتاب يتناول وصف البلدان ومعظمها يتعلق بجزيرة العرب. والكتاب الثاني: هو: (الممالك والمسالك) وقد فرغ البكري من تصنيفه في سنة 460هـ/ 1068م، وهو يقع في عدة أجزاء لم يبق منها إلا قطع عن بلاد الغرب والأندلس( ).
وقد عثر أخيرًا الدكتور عبد الله يوسف الغنيم على الجزء الخاص بجزيرة العرب من كتاب الممالك والمسالك، وحققه ونشره سنة 1397هـ/ 1977م. وفي وصف البكري لجزيرة العرب نجد أول نص عن تحديد اتجاهات القبلة لبلدان العالم الإسلامي. وفي هذا يقول البكري: (قبلة أهل الكوفة وبغداد الركن الذي بين الباب والحجر، وهو إلى الباب أقرب قليلاً، وقبلة أهل الجزيرة عن يمين هذا الركن مما يلي الحجر منحرفاً إلى الحجر، وقبلة أهل الشام ميزاب الكعبة، وقبلة أهل اليمن الركن اليماني، وقبلة أهل اليمامة الركن الذي فيه الحجر الأسود، وقبلة أهل البصرة باب البيت، وقبلة أهل جده وما جاورها من أسوان والصعيد وما وراء البحر ما بين الركن الغربي واليماني( )).
الإدريسي:
يعد الإدريسي المتوفي سنة 560هـ/ 1166م أول جغرافي عربي رسم خارطة صحيحة للعالم القديم. وقد اعتمد الإدريسي في إنجاز أعماله الجغرافية على المصنفات الجغرافية والتاريخية حتى عصره، إلا أنه كان له طريقة انفرد بها في رسم الخارطات، فقد استخدم في سبيل ذلك ما أطلق عليه (لوح الترسيم)، وهو عبارة عن خارطة واسعة مسطحة رسمت عليها خطوط الطول والعرض، وتبين وجه الأرض المعمورة ومساحتها متراً أو أقل قليلاً. ولم يكتف الإدريسي بما نقله عن الخارطات الجغرافية السابقة، بل اتبع أيضاً منهج المشاهدة لتحقيق أخبار البلاد بالمعاينة. كما أن معرفته بالزيوج وقدرته على الانتفاع منها باستخدام الأسطرلاب والصفيحة وما إليها من أدوات القياس الفلكية المعروفة وقتذاك ساعدته على رسم خارطاته التي اتسمت بالصحة والدقة( ).
وفي سنة 533هـ/ 1138م استدعاه رجار الثاني ملك صقلية ليضع له خارطة للعالم، وقضى الإدريسي خمس عشرة سنة في العمل في صقلية حتى أنجز مهمته في سنة 548هـ/ 1154م،