بوابة الحرمين الشريفين
معمارية الحرمين الشريفين
الحرمان الشريفان بين التوسعة والترميم على مر السنين

الحرمان الشريفان بين التوسعة والترميم على مر السنين
رؤية عامة:
ظل بيت الله الحرام على مدى أربعين قرناً، ومنذ أن بناه خليل الله إبراهيم عليه السلام، وهو محل تعظيم وتوقير البشر على اختلاف ألوانهم ومللهم ونحلهم، بل ظل في مكانة سامية في أحلك العصور، وأسوأها دون أن ينزل من مقامه وهيبته شيء، حتى عندما تعرض لظروف الطبيعة، أو لاعتداء بغيض يتداعى الناس من حوله ليعيدوا بناءه أو ترميمه بما يتيسر لهم، بل ولديهم حرص شديد على أن لا يضيفوا إليه شيئاً فيه شك أو حرام، مثل ما حدث في بناء قريش.
وينطبق هذا على مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فمنذ هجرته صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً، كان الحرم النبوي الشريف محل تعظيم وتوقير من المسلمين، ولم يهمله غيرهم، بل كان المسجد النبوي، وقبله المسجد الحرام موضع دراسات وأبحاث تناولت خصائصها وعناصرهما، بعضها كان موضوعياً وبعضها كان مغالياً، وبعضها كان مفترياً، وفي كل الأحوال كانا محل اهتمام يدل على أن المسجدين لهما من المكانة العظيمة في نفوس البشر، المسلمون كانوا يعظمونهما من منطلق إيماني بحت، إذ أن البيت الحرام هو قبلتهم، والمسجد النبوي هو بيت ومثوى رسولهم وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وفيه وحوله بدأت أعظم مسيرة عمت بنورها أرجاء الأرض، أما غير المسلمين فكان اهتمامهم بحثي في الأغلب، فمنهم من اهتم بعناصر البناء الإسلامية، ومنهم من أضاف إلى بحثه دراسة عن أسباب التأثير الطاغي لهذين المسجدين في المسلمين أينما كانوا، ولماذا تتدفق هذه الجموع المؤمنة على المسجدين في كل الأوقات دون انقطاع.
الإقبال على الحرمين:
والإقبال على الحرمين الشريفين ظل متدفقاً، منذ فتح مكة المكرمة في السنة الثامنة من الهجرة، وبعد أن تسيد الإسلام ودالت طغمة والوثنية، واقتصر الإقبال في السنين الأولى على العرب ومواليهم، ثم انضم من أسلموا في الفتوحات الإسلامية من أقطار العالم التي دخلت في الإسلام بعد أن تعرفت على مبادئه وعدالته ومساواته بين البشر في الأعمال والمعاملات.
وازداد المسلمون، وزاد إقبالهم على الحرمين الشريفين، مما أدى إلى إضافات متوالية في المساحات حتى يمكن استيعاب الأعداد الصاعدة.
ولو نظرنا إلى هذه الأعمال التي تمت في الحرمين الشريفين نتيجة الإقبال المستمر عليهما، وإلى الأعمال التي لا تقل عنها في المشاعر المقدسة في العهد السعودي نجد مجموعة من الدوافع الإيمانية والعملية( ).
1- الرغبة في التقرب إلى الله بأعمال في الحرمين الشريفين المشاعر المقدسة.
2- معالجة ما تعرض له الحرمان الشريفان من خلل نتيجة لعوامل طبيعية، أو بأسباب أخرى.
3- مواجهة الازدياد في أعداد المصلين في الحرمين الشريفين.
4- مواجهة الأعداد المتزايدة للحجاج مما أدى إلى الازدحام قياساً على سعة الحرمين، أو الأماكن المقدسة.
5- وهناك أسباب أخرى.
وبالتأكيد فإن تحليل الدوافع السابقة سيضعنا أمام رسم بياني يجعل بعض هذه الأعمال تكون في مرحلة دنيا، وأعمال ترتفع إلى السمو والعلو، فمثلاً لم يكن هناك مبرر منطقي لبناء الحجاج للكعبة إلا شطب ما فعله عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، ورغم هذا التفكير ظل بناء ابن الزبير في ذاكرة التاريخ، حتى أن عبد الملك بن مروان ندم فيما بعد، وتمنى لو أبقى الوضع كما هو.
وأما الأعمال التي ترقى إلى السمو والرفعة فهي التي جمعت بين الدوافع الإيمانية والعملية، فربطت الرغبة الحقيقية للتقرب إلى الله بأفضل الأعمال، وأيها أفضل من عمل في بيت الله، ومسجد رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي المشاعر المقدسة، وهناك كثيرون على مدى التاريخ الإسلامي فعلوا وخلدوا أسماءهم في ذاكرة التاريخ، وأضافوا ووسعوا وعمروا الحرمين الشريفين، وبيوت الله الأخرى.
وفي يقيني - ولا أزكي على الله أحداً - أن من جمع بين كل هذه الأعمال التي تعلقت بالحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة بما لم يسبق له مثيل وهو ما تم في العهد السعودي، بدءاً من الملك عبد العزيز رحمه الله، ومن تلاه من أبنائه رحمهم الله جميعاً، ووصولاً إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله، الذي أجرى أكبر وأعظم التوسعات والعمارات في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، وما يربط بينها من طرق ومواصلات، وخدمات وغيرها.
وقطعاً فإن هذا لا يقلل من قيمة ما فعله الخلفاء والملوك والأمراء، والحكام على مر السنين، فكل واحد منهم عمل بما تتيح له ظروفه، وظروف عصره، وما قادته إليه نواياه التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، غير أن إضافة طوبة واحدة في هذين المكانين المقدستين عمل عظيم بكل المقاييس.
بين التوسعة والترميم:
ولو صنفنا كل الأعمال التي تمت في القرون الماضية، وإلى ما تم في عهد خادم الحرمين الشريفين فإنها لا تخرج عن:
أولاً: الترميم، وهو إصلاح ما خرب جزئياً في مكان أو أماكن متعددة.
ثانياً: العمارة، وهو إعادة بناء كامل مع الاحتفاظ بنفس المساحة الموجودة، وقد تكون العمارة لجزء أو كل.

ثالثاً: التوسعة، وتدخل معها العمارة، لأن التوسعة لا تتم إلا بالعمارة.
وممن قام بأعمال في الحرمين الشريفين، هناك من قام بترميم، وهناك من قام بعمارة، وهناك من قام بتوسعة اقترنت معها عمارة، وقلة هي التي جمعت بين الترميم والعمارة والتوسعة، والملاحظ أن ستة جمعوا بين التوسعة والعامرة والترميم في المسجدين المقدسين هم حسب التسلسل التاريخي:
1- أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
2- أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه.
3- أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان.
4- أمير المؤمنين المهدي العباسي.
5- الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود.
وهؤلاء كتب الله لهم ذلك لأسباب عديدة منها:
‌أ- شمول الولاية للحرمين الشريفين.
‌ب- الاستقرار السياسي.
‌ج- ازدياد أعداد المسلمين، وإقبالهم على الحرمين الشريفين.
‌د- توفر العالم الاقتصادي.
أهداف الرؤية:
وليست أهداف هذه الرؤية العامة للمقارنة، السعي إلى التفضيل، وإنما هي قراءة تقريبية غير مباشرة لظروف العصور المختلفة، وتطور أعداد المسلمين، واتساع نفوذ الإسلام، فالتوسعة لا تتم إلا لزيادة القدرة الاستيعابية، وهذه لا تتم إلا إذا زاد عدد المسلمين، وزادت زياراتهم للحرمين الشريفين، كما أن الصرف على التوسعات والعمارات، والتفنن في العمارة، واستخدام أرقى فنون العمارة مؤشرات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والمهني، كما أن الإقبال على الحرمين الشريفين من المسلمين في مختلف الأنحاء دلالة على العمق الإيماني الفريد، خاصة إذا عرفنا المشقة التي كان يتكبدها المسلمون الأوائل وإلى عهد قريب، في السفر، حتى أنهم يقضون شهوراً، وبعضهم سنوات ليصلوا إلى بيت الله الحرام، وما يكتنف هذا السفر من مخاطر كبيرة ذهبت بأرواح وأموال الألوف من البشر.
ونهدف كذلك من خلال هذه الرؤية العامة التمهيد للمبحثين التاليين، يخص الأول منهما مقارنات تتعلق بالحرم المكي الشريف، والثانية بالحرم النبوي الشريف بما يكمل الصورة، ويزيدها وضوحاً، مع أن هناك صعوبة بالغة في العثور على بيانات وإحصائيات عن أعداد الحجاج والزوار، وأقصى ما توفر لنا البيانات الإحصائية عن تسعة وستين عاماً منذ بداية العهد السعودي (1345-1414هـ)، كما أن توفر بيانات بأعداد الحجاج من داخل المملكة غير دقيق، سواء من الذين يحملون الهوية السعودية، أو ممن يقيمون في المملكة من رعايا الدول العربية والإسلامية أو من مسلمي الأقليات في العالم الذين يقيم بعضهم في المملكة، كما أننا وجدنا صعوبة في توفير إحصائيات عن الزوار والمعتمرين على مدار العام، وخاصة في المواسم، مثل شهري رجب ورمضان سواء كانوا من الداخل، أو من الخارج، وإن كان تدفقهم على الحرمين لا ينقطع في كل شهور العام بنسب متفاوتة، ولكنها ليست قليلة، والملاحظ في السنوات العشر الأخيرة أن الحرمين الشريفين يمتلآن بالزوار والمصلين على مدار الساعة في الأيام العادية، وتزداد الكثافة في المواسم( ) الأخرى، وتصل الذروة في موسم الحج.
أعمال عظيمة:
ولو نظرنا إلى الإصلاح والتعمير والتوسعة في الحرمين الشريفين وفي المشاعر المقدسة، وفي الطرق والمواصلات والخدمات التي يستفيد منها المسلمون أثناء تأديتهم نسكهم، فسنجد أن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله قد قام بعمل باهر لم يسبقه إليه أحد ، لم يقتصر عمله على أكبر توسعتين في الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز قد قام بعمل باهر لم يسبقه إليه أحد حتى هذا التاريخ، حيث لم يقتصر عمله على أكبر توعتين في الحرمين الشريفين، وإنما المساجد المأثورة في المدينتين المقدستين، والمواقيت، وفي المشاعر المقدسة حيث يؤدي المسلمون الركن الخامس (الحج) غطت جميع الخدمات، والمرافق والطرق والجسور والأنفاق والسقيا والتغذية والسكن وإعمار المدينتين المقدستين، وتطويرهما بما يتلاءم مع مكانتهما في قلوب المسلمين، وهو جهد ضخم أعانه الله عليه ليخلد ذكره في التاريخ، مع من سبقه في هذه الأعمال الجليلة.
كم أن الخليفة العباسي المهدي قام بعمل عظيم في الحرم المكي الشريف، وهو ممن جمع بين توسعتين وعمارتين في الحرمين، لكنه قام بعمل كبير في المسجد الحرام، شمل حمايته بتحويل مجرى السيل، وتوسعته وتربيعه، وتكلف مالاً كثيراً على قياس الزمن الذي تمت فيه هذه الأعمال.
وكلها أعمال عظيمة أياً كان حجمها، أو مساحتها، أو ما صرف عليها، لأنها مرتبطة بأقدس المقدسات لدى المسلمين، مرتبطة بالحرمين الشريفين، وبالمشاعر المقدسة التي يفد إليها كل عام ملايين المسلمين، يحجون، ويعتمرون، ويزورون، ويرفعون أكفهم بالدعاء إلى الله، ويطلبون القبول والمثوبة.
مقارنات الحرم المكي:
كل مسلم مؤمن يتطلع دائماً إلى أفضل الأعمال ليرفع رصيده عند ربه جل وعلا ليكفل لنفسه أملاً في النعيم الدائم في آخرته، وهذا التطلع يدفع كل مؤمن إلى أن يسهم بما يستطيع في أحب الأماكن إلى الله، بيته الحرام في أم القرى، والمشاعر المقدسة في أطرافها، وعلى مدى القرون الماضية كانت الرغبة العارمة لدى كل المسلمين القادرين على أني سهموا بشيء من مالهم وجهدهم في عمارة بيت الله وحرمه، وهذا يعني أن جهود العمارة وكسوة بيت الله لم تقتصر على الخلفاء والملوك والأمراء فحسب، وإنما شملت كذلك المسلمين الميسورين، وغن ظلت الأعمال الكبيرة حكراً على من بيده القراء والإمكانات من ولاة أمر المسلمين الذين تعاقبوا على ولاية مكة المكرمة، غير أن أغنياء المسلمين عملوا في حدود قدراتهم، والظروف السياسية المتاحة في شتى المجالات التي تصنع ظروفاً أفضل لمجاوري بيت الله، كإنشاء المدارس، والأربطة، وتخصيص الأوقاف للصرف على عمارة بيت الله، وعلى فقراء المسلمين المجاورين للحرم المكي الشريف، وغير ذلك من أعمال الخير والبر.
والحرم المكي الشريف شهد عبر التاريخ العديد من التوسعات، وأعمال العمارة والترميم، اختلفت في الحجم والمساحة والجودة المرتبطة بظروف العصر وإمكاناته، وتوحدت في المقصد والهدف، فكلها كانت رغبة صادقة في إعمار بيت الله الحرام.
وبتوسعة وعمارة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله يكون الحرم المكي قد شهد عشر توسعات على مدى تاريخه، أما أعمال العمارة والترميم فكانت أكثر من سبع وثلاثين( )، فإذا اعتبرنا أن كل توسعة شملت عمارة أيضاً، وهذا أساس منطقي، فإن المسجد الحرام قد شهد عشر توسعات، وأكثر من سبع وثلاثين من أعمال العمارة والترميم،
تفاوت التوسعات:
والتوسعات والعمارات، والترميمات والإصلاحات التي تمت في الحرم المكي الشريف تتفاوت في الحجم والأهمية في نسب ودرجات مختلفة وهذا شيء طبيعي، يرتبط باختلاف العصور والدوافع، والأوليات التي تمت خلال القرون الماضية، غير أن المشكلة الصعبة التي واجهتنا هي الأرقام، فهناك أرقام في التوسعات (راجع الجدول رقم 2) غير أنها غير دقيقة، فهي اجتهادات مؤرخين حاولوا أن يسجلوا الأعمال التي جرت في عصورهم كما رأوها، وحاول بعضهم أن يحلل النتائج، ولكن من منظور عصر كل منهم، كما أن المقياس الذي حصلوا به على أرقام المساحات ليس موحداً، تتفاوت فيه النتائج ما بين البسيط والبين، إضافة إلى أن هؤلاء الذين قاموا بالقياسات غير محترفين، أي أن القياسات التي تمت تعتبر اجتهادات، ولكنها بكل تأكيد اجتهادات قيمة، أعطتنا صورة واضحة عن الأعمال التي تمت، وإن لم تكن دقيقة، ولكنها قريبة من الواقع إلى حد كبير.
أوليات في التوسعات:
وهناك معالم وأوليات في التوسعات والعمارات التي تمت منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإلى العمارات والتوسعة السعودية الأولى بمراحلها الأربع، وتوسعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز (جدول رقم 3)، فمثلاً أول من حدد حرم المسجد الحرام كان عمر بن الخطاب، حيث أقام جداراً حول الكعبة، فجعل بذلك فاصلاً بين الحياة العادية وقدسية المسجد، وكان من المعروف قبل ذلك أن البيوت تحيط بالكعبة من جميع جاوانبها، مع ممرات بين البيوت لتوصل إلى الساحة المتروكة حول الكعبة للطواف، وكان الملك عبد العزيز آل سعود أول من أضاء المسجد الحرام كاملاً بالكهرباء، وفصل المسعى في التوسعة السعودية عن الحركة اليومية، وأصبح المسعى للمرة الأولى جزءاً من الحرم المكي الشريف، وبين هذين العملين الباهرين كانت هناك أعمال أخرى لا تقل أهمية ولا تأثيراً.
نسبة الحجاج التصاعدية:
وتعتبر مكة المكرمة نقطة جذب طاغية على المسلمين، فأي مسلم مؤمن أمنيته العظمى أن يصل إليها، يطوف بالبيت العتيق، ويؤدي مناسك الحج، وكثير منهم لا يكتفي بحجة واحدة، وإنما يكررها عشرات المرات، وهكذا تستقبل مكة باعتبارها منطلق الوحي، وفيها البيت العتيق، والمشاعر المقدسة، حيث عرفات والمشعر الحرام (المزدلفة) ومنى، وفيها الكثير من المآثر الإسلامية التي تستقطب اهتمام المسلمين، فإنها تستقبل سنوياً منذ قرون عديدة عشرات الألوف سنوياً عندما كان السفر بالدواب والأقدام، وأقصى رفاهيته السفر بالسفن الشراعية، وكل حاج يأمل الوصول بأمن وسلامة لأداء حجة واحدة لأنه يمضي عاماً كاملاً ما بين ذهابه وحجه وإيابه، ويصل إلى بلده وكأنه مولود جديد كتبت له الحياة نظراً لما يحيط برحلته من مخاطر ومشاق، أما الآن فقد تيسرت وسائل السفر، واختصرت مدة موسم الحج إلى أيام معدودات، لأن الأغلبية يفضلون الوصول بالطائرات الحديثة والسريعة، فلا يمكثون سوى أيام ترتفع خلالها كثافة الحجاج إلى الذروة.
ولو نظرنا إلى إحصائية الحجاج (جدول رقم (4)) لوجدنا أنه خلال السنوات السبعين الأخيرة (1345-1414هـ) وصل عدد الحجاج خلالها إلى ستة وعشرين مليونا وثلاثمائة وستة وثمانين ألفاً وستمائة وعشرين حاجاً من خارج المملكة، بمعدل سنوي متصاعد حسب الظروف، ففي عام 1345هـ، وصل عدد الحجاج إلى (60662) حاجاً( )، زاد في السنة التالية (1346هـ) إلى (96312) حاجاً بزيادة (5650) حاجاً، ثم بدأ العدد في النزول حتى وصل إلى أدنى درجة عام (1359هـ) إذ كان عدد الحجاج خلالها والذين وصولوا من خارج المملكة عن طريق البر والبحر إلى (9024) حاجاً، وربما كان السبب ظروف الحرب العالمية وتأثيراتها على طرق المواصلات والاقتصاد العالمي، وارتفع العدد في العام التالي (1360) إلى (23863) حاجاً، واستمر الارتفاع حتى كسر حاجز مائة الألف عام (1369هـ) وكسر حاجز المليون عام (1403هـ) وبلغ الذروة حتى نهاية حج عام 1414هـ عام (1412هـ) (1012140) حاجاً، وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز فقط بلغت نسبة الحجاج الذين وصلوا من الرقم الذي ذكرناه (43.86%) أي أنه خلال ثلاث عشرة سنة وصل لأداء فريضة الحج (11.575.555) أي ما يقارب نصف ما وصل خلال (57) سنة، وهذا يعني زيادة مضطردة في أعداد الحجاج الذين يصلون من خارج المملكة، خاصة بعد هذا التطور الهائل في القدرة الاستيعابية للحرم المكي الشريف، وفي الخدمات التي توفرت.
احتمالات الزيادة:
وهذا فقط فيما يتعلق بالحجاج الذين يصلون في موسم الحج، ولا يدخل فيهم المعتمرون والزوار الذي يفدون من خارج المملكة طوال السنة( )، وبالذات في المواسم، وذروتها شهر رمضان حيث يمتلئ الحرم المكي عن آخره، يضاف إليهم أهل مكة المكرمة، والذين يفدون من داخل المملكة للحج والعمرة من السعوديين الجاليات الإسلامية الموجودة للعمل في المملكة.
فهؤلاء تبلغ أعدادهم سنوياً ما يزيد على الواحد والعشرين ملين شخص، وهو رقم تقديري مستند على معادلة رياضية
وقد وزعنا الرقم الإجمالي على نسب تغطي المواسم المعروفة بالازدحام على الحرم المكي الشريف
أي أن الكثافة موجودة على مدار العام، تبلغ الذروة في المواسم، وعلى رأسها موسم الحج، يليه شهر رمضان المبارك، وهو لا يقل كثافة عن الحج، ولكن الفرق أن التركيز يكون فيه على الحرم المكي، وخاصة في العشر الأواخر من الشهر المبارك، حيث يفضل الجميع ويتمنون أن يؤدوا عمرة في هذا الشهر الكريم، وبالذات في العشر الأواخر من الشهر، وتبلغ الذروة اليوم السادس والعشرين التي يترقب فيها الجميع ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر بنص قرآني صريح، كذلك في صلوات أيام الجمع طوال السنة، وفيها يمتلئ الحرم عن آخره، بما في ذلك المساحات المحيطة به، ولو حسبنا عدد من يصلون الجمعة في الحرم الشريف فقط من السكان والمقيمين والقادمين في السنة فإن العدد يصل إلى ما يزيد على (37.000.000) مسلم، إذ لا يقل عدد من يصليها كل يوم جمعة عن (700) ألف مسلم.
ملاحظات:
1- وضعت مساحة قريش كأساس، لأنها كانت باحة حول الكعبة تحيط بها البيوت من كل مكان، مع ممرات بين البيوت يوصل إلى هذه الباحة، ومن ثم الكعبة.
2- هناك فرق ما بين مساحة الحرم المكي قبل التوسعة السعودية الأولى (29127) في بعض المصادر مثل (تاريخ عمارة المسجد الحرام) وبين الدراسة التي نشرها د. مجدي حريري بالنسبة لأرقام التوسعات لما قبل التوسعة السعودية الأولى (راجع توسعة وعمارة الحرمين الشريفين - رؤية حضارية - الجزء الأول ط 1 - رجب 1412 - يناير عام 992م)، واعتمدنا الإجمالي الذي جاء في تاريخ عمارة المسجد الحرام، وهو (160168).
3- الأرقام لما قبل لتوسعة السعودية الأولى لا تعتبر دقيقة نظراً لاختلاف الذرع، وهي اجتهادات قيمة.
4- التوسعة السعودية الأولى مرت بأربع مراحل، بدأت عام 1375هـ، وانتهت عام 1396هـ، أي استمرت أكثر من عشرين عاماً.
مقارنات الحرم النبوي:
كان المسجد النبوي الشريف النموذج الأول للمسجد في الإسلام، وكان نقطة البدء في انطلاقة الإسلام، وكان مصدر القرارات الحاسمة في صدر الإسلام، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين الثلاثة الأول، ورغم انتقال القرار منه في مراحل تالية إلى أماكن أخرى. إلا أن المسجد النبوي الشريف ظل عامل جذب قوي للقلوب والأقدام؛ لأنه مسجد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، والحيثيات التي ذكرناها، ولما تضمه المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية الأولى من مآثر تاريخية تحكي قصة مجد الإسلام وانطلاقته وتسيده.
وكما كان الحرام المكي محل أعمال هدفها التوسعة والإعمال، فإن الحرم النبوي كان صنوه الذي يكمله، فكانت اليد التي تضع حجراً في الأول، لابد أن تثني في الثاني، لأن المسجدين الشريفين هما رمز الإسلام الذي لا يخبو ومضه لحظة على مر العصور.
ولهذا وجدنا أن عدد التوسعات والعمارات متقارب مع ما حدث في الحرم المكي الشريف، إلا فيما كان لظروف غير طبيعية، كحوادث الحريق أو غيرها مما يستدعي عمارة غير مرتبطة بالحرم المكي، لكن الباقي كان متزامناً، وبالذات في الذين جمعوا بين التوسعتين( )، إذ كان كل من يقوم بعمل في أحدهما لا بد وأن يكسب الأجر في الآخر، وكل من قام بتجديد في العمارة هنا، لا بد كذلك أن يمتد العمل التجديدي للحرم الآخر (راجع الجدول رقم (1)) ومنه نلاحظ التقارب الزمني في عمليات التوسعات، وستة هم من جمعوا بين التوسعتين كما ذكرنا.
تفاوت التوسعات:
وفي الحرم النبوي تتفاوت التوسعات كذلك، حسب ظروف الحاجة، وإمكانات العصر، ويأتي في طليعة من أضاف إلى المسجد النبوي الشريف الخليفة العباسي محمد المهدي أكبر توسعة إلى ما قبل التوسعة السعودية الأولى، فقد زاد (2450) متراً تقريباً إلى مساحة الحرم، إلى أصغر إضافة للأشرف قايتباي، إلى العمارة الفخمة التي قام بها السلطان عبد المجيد ولا زال المسجد النبوي يحتفظ ببعض أجزائها (راجع الجدول رقم (2)) إلى توسعة وعمارة الملك عبد العزيز رحمه الله الذي أجرى توسعة كبيرة قياساً بالتوسعات السابقة، وأضاف ما نسبته 58.46% إلى مساحة المسجد ليزداد استيعابه من (58000) مصل في أوقات الذروة إلى (95000) مصل، ثم التوسعة الأضخم في التاريخ الذي أضاف خادم الحرمين الشريفين ما نسبته 2351.93% لتصل مساحته إلى (400327)م2، لتزداد القدرة الاستيعابية إلى أكثر من سبعمائة ألف مصل، يصلون في الذروة إلى مليون مصل.
الترميم والعمارات:
وقد مرت بالحرم النبوي الشريف أعمال ترميم وعمارات كثيرة بعضها لم يأت ذكره، وأول من رممه بعد بناء النبي صلى الله عليه وسلم هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقد غير بعض الأعمدة المصنوعة من جذوع النخل والتي أصابها العطب، والصديق رضي الله عنه لم تتح له الظروف أن ينشغل بعمارة المسجد النبوي الشريف، ففترة خلافته قصيرة جداً إضافة إلى الفتن والردات التي ثارت بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى.
والعمارات والترميمات التي تمت بعد ذلك هي للناصر لدين الله، ثم للمعتصم العباسي، ومحمد بن قلاوون الصالحي، والمنصور صاحب مصر نور الدين علي بن المعز أيبك، وصاحب اليمن المظفر شمس الدين أبا يوسف بن المنصور سيف الدين محمود، وصاحب مصر الظاهر بيبرس، والظاهر جقمق البندقداري، والأشرف برسباي، والأشرف شعبان بن حسين، والسلطان سليم العثماني، والسلطان مراد العثماني، والسلطان سليمان العثماني، والسلطان محمود الأول العثماني( ).
وفي كل العمارات التي تلاحقت كانت متشابهة تأخذ عناصرها من المادة الموجودة في العصر الذي نمت فيه، وبعض العمارات المتتالية كانت تستفيد من العناصر المكونة للعمارة التي سبقتها، ولن تدخل التوسعتين والعمارتين السعوديتين في المقارنة لأنها كانتا طرازاً مختلفاً كذلك.
وأول من أحدث القبة على الحجرة المطهرة هو السلطان قلاوون الصالحي، فقد أنشأها سنة 678هـ مربعة من أسفلها مثمنة من أعلاها بأخشاب أقيمت على رؤوس السواري المحيطة بالحجرة الشريفة، وجددت القبة في زمن الناصر حسن بن محمد قلاوون، وأحكمت أيام الأشرف شعبان، وأصلحت زمن السلطان قايتباي الذي جددها مرة أخرى في عصره بعد الحريق الثاني، وجددها السلطان محمود بن عبد الحميد العثماني، وأول من صبغها باللون الأخضر هو السلطان عبد الحميد العثماني( ).
أعداد الزوار:
الحرمان الشريفان يتزودان من معين واحد، فالحاج أو المعتمر إلى بيت الله لا بد أن يتزود بزيارة لمسجد رسول الله، والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، وعلى صاحبيه رضي الله عنهما، وبزيارة المآثر الإسلامية في المدينة المنورة، وهكذا فإن أعداد الحجاج والمعتمرين، هم أيضاً يقصدون المدينة المنورة، إضافة إلى أن السعوديين والمقيمين في المملكة العربية السعودية لا تنقطع زياراتهم لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذروة الزيارات للمسجد النبوي الشريف هي نفسها للحرم المكي الشريف، حتى عندما يكون الحجاج مشغولين بأداء نسك الحج، فإن المسجد النبوي يزدحم بالآلاف الذين يفدون إليه من أغلب مدن المملكة، وكذلك الأمر في عيد الفطر المبارك حيث يفد الزوار في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك عندما تبدأ الإجازات الرسمية( ) حيث يفضل الآلاف قضاء الأيام الأخيرة من رمضان، وأيام العيد بين المسجد الحرام، والمسجد النبوي.
توسعة خادم الحرمين:
وهذا الازدحام المتلاحق، واكتظاظ المدينة المنورة بالزوار هو السبب الرئيس الذي دفع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز أن يحدث هذه النقلة الأعظم في مساحة المسجد النبوي الشريف. كما أن الأمر لم يقتصر على المسجد ذاته، وإنما شمل ما يحيط به من عناصر، وطرق، وخطوط دائرية، ومنشآت سكنية وفندقية تؤمن كلها خدمات متنوعة للزوار بما يكفل لهم الراحة والطمأنينة، والأمن والسلامة، وسيولة الحركة.
1- لم تنح الفرصة له للقيام بتوسعة المسجد النبوي الشريف للظروف المحيطة، واستشهاده رحمه الله.
2- لم يأت له ذكر في العمارة بالنسبة للمسجد النبوي، ولكن ابنه محمد المهدي قام بتوسعة وعمارة.
3- استمر العمل في هذه التوسعة وعمارتها اثني عشر عاماً ونيفاً، وهي العمارة التي احتفظت بعافيتها حتى الآن، واحتفظ الملك عبد العزيز رحمه الله بجزء كبير منها.
4- وهكذا نجد عشر توسعات في الحرم المكي، وتسع توسعات في الحرم النبوي، أكبرهما توسعات خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز.
1- استندنا كمصدر رئيسي على كتاب: (فصول من تاريخ المدينة المنورة) بالنسبة للأرقام فقط.
2- كانت بين التوسعات مسافات زمنية، وضعها صاحب نفس المصدر السابق، وهي على النحو التالي:
10 سنوات تقريباً بين عمارة النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر وعمارة عمر بن الخطاب.
12 سنة تقريباً بين عمارة وتوسعة عمر بن الخطاب وعمارة وتوسعة عثمان بن عفان.
59 سنة بين عمارة وتوسعة عثمان بن عفان وعمارة الوليد بن عبد الملك.
73 سنة بين عمارة وتوسعة الوليد بن عبد الملك، وعمارة وتوسعة المهدي العباسي.
706 سنة بين عمارة وتوسعة المهدي العباسي وعمارة الملوك والحكام المسلمين الذين عمرو الحرام النبوي بعد الحريق الأول.
21 سنة بين عمارة وتوسعة قايتباي، وتوسعة السلطان عبد المجيد العثماني.
377 سنة بين عمارة وتوسعة قايتباي، وتوسعة السلطان عبد المجيد العثماني.
105 سنة بين عمارة وتوسعة السلطان عبد المجيد، وعمارة وتوسعة الملك عبد العزيز آل سعود رحمهم الله تعالى.
25 سنة تقريباً بين عمارة وتوسعة الملك عبد العزيز رحمه الله، وتوسعة وعمارة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله.
ملاحظة: تم تصحيح بعض الأرقام استناداً على تواريخ سنوات التوسعات المثبتة في الجدول، فاستقام بها المجموع النهائي من السنة الأولى للهجرة إلى عام 1405هـ بدء توسعة خادم الحرمين الشريفين.

 

 

 

توسعة وعمارة خادم الحرمين الشريفين

قصة البداية:
ما شاء الله تبارك الله، سبحان الله، ما هذا الجمال والروعة، أجزل الله لمن قام بهذا العمل العظيم أحسن الثواب.
لم تفتر الألسنة عن ترديد العبارات السابقة، وبلغات وتراكيب مختلفة وبأحاسيس فياضة، وهي تقبل على الحرم المكي، أو على الحرم المدني، وترى هذين العملين قد اكتملا بهذه الصورة الباهرة، في صحن الطواف، أو في جنبات الحرم الشريف، أو في الروضة الشريفة، أو في ساحات المسجد النبوي، كان المسلمون من مختلف الجنسيات واللغات والألوان في خشوع كامل، يشعرون بعظمة المكان والزمان، أو بيت وضع للناس،وقد أصبح يسع ما يزيد على المليون مصل، وما يقارب المليون مصل في المسجد النبوي، تحتضنهم الساحات والأروقة، والأسطح، وتلتف قلوبهم حول الكعبة المشرفة، وتهفو نفوسهم إلى الروضة الشريفة، يتوجهون بالحمد والشكر لله عز وجل، ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار، ويحمدون لهذا البلد الطاهر وولاة أمره هذه العناية الفائقة ببيوت الله وفي مقدمتها الحرمان الشريفان بما تيسر لهما من سعة وجلال.
هذه الصورة البانورامية للمكان لا يصلح لها غير تسجيل مرئي، وليس بالكلمات، فالرؤية تغني عن أي كلام، فالجموع تتدفق خاشعة مبتهلة، ذاكرة الله عز وجل، يتوجهون زرافات ووحداناً، لا تخفي أعينهم نظرات الإعجاب بما يسره الله للحرمين الشريفين من عناية ورعاية كاملتين، والمكان كأنه في ضوء النهار الساطع، لا فرق بين نهار أو ليل، فالإضاءة تعطي هذا الإحساس بالأمان والجلال، وإن كان يكفي الحرم الذي جعله الله سبحانه وتعالى لبيته، ولحرم نبيه، ثم الأمن الذي وفرته المملكة العربية السعودية لضيوف الرحمن، ومنذ اللحظة الأولى التي دخل فيها الملك عبد العزيز رحمه الله مكة المكرمة، وإلى حين مغادرة الحاج عائداً إلى بلده بسلامة الله.
فعندما ترى هذا المزيج الإنساني، وهذا الدفق الروحاني النوراني لا نملك إلا الخشوع، والعيون تذرف بالدموع والقلوب ترتجف من خشية الله، يأخذها الموقف الرباني إلى سمو وصفاء، فهذا الدفق مستمر باستمرار الحياة، وبقاء كلمة التوحيد ما شاء الله وأراد.
والأغلب الأعم من هؤلاء الذين يتدفقون بإيمان إلى الحرمين الشريفين لم يعرفوا الجهد الضخم الذي بذل حتى تكاملت أمامهم الصورة بهذا الشكل الرائع والأقلية فقط التي أحست ببعض الجهد، لكن خاصة محدودة هي التي تعرف بالتأكيد من وراء هذا الإنجاز الذي لا يقارن، ولا يقاس بأي مقاييس معروفة، فالإنجاز في الحرمين الشريفين أكبر من أي كلمات، وليس في هذا الكلام أي نوع من المبالغة.
خادم الحرمين الشريفين:
والذي يعرف فكر وشجاعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، لا يستغرب هذه النتيجة، فهناك الكثير من الخصائص التي تشكل شخصيته، وفي مقدمتها الإخلاص والعزيمة التي تستند على خبرة طويلة، وتجارب عميقة، صقلتها المعرفة والاحتكاك بوالده العظيم، وإخوته ممن سبقه، وفي مقدمتهم الشهيد الملك فيصل( ) يرحمهم الله جميعاً، الذي كان يعتمد على خادم الحرمين الشريفين اعتماداً كبيراً، وكان قريباً منه، وهذه العوامل مع قربه من مواقع القرار منذ عام 1373هـ، كانت وراء شخصيته القوية والعميقة ذات العزيمة التي لا تبالي بالصعاب، ولا بالعقبات، وكانت كل هذه الخصائص وراء القرار، وتنفيذه بإصرار وعزيمة.. (.. أنا ارتحت لاتخاذ القرار( ) وإن كان فيه ألف تفكير، ولو سمعت كلام بعض الناس لما تم شيء، فقد قيل أن مشروعاً مثل هذا يحتاج إلى عشرين أو ثلاثين سنة، وتكاليفه باهظة، وأن المفروض أن ينفذ بطريقة تدريجية، (أي على مراحل) لكنني بحمد الله اتخذت القرار، وتحملت مسئوليته، والحمد لله تم الإنجاز في بضع سنوات تعد على الأصابع، والسبب الأول والأخير الذي ساعدنا عليه أنه عمل لوجه الله وصالح المسلمين، فعندما يراد لأي عمل أن يكون عملاً لله، ثم للمصلحة العامة ولفائدة المسلمين عموماً لا أعتقد إلا أن الله سيبارك فيه( )) وهي حقيقة لا تقبل الجدل، فالأعمال العظيمة تحتاج إلى قرار في نفس الدرجة، ولا يتخذه إلا قائد تتوفر له صفات على نفس الدرجة من القيمة، إذا أن (كل إنسان له رسالة على الأرض يثبت فيها أحقية استخلافه وتميزه، وهذه التوسعة العملاقة خير شاهد ودليل على أن أمة الإسلام هي التي تحمل ذلك الإنسان الرسالي الأحق بالاستخلاف والاصطفاء، وعندما اختار الملك فهد بن عبد العزيز لقب خادم الحرمين الشريفين بدلاً من لقب جلالة الملك، يومها تأملت هذا الحديث بصفتي عالم نفس، وأيقنت أن لحظة اختيار هذا اللقب لا يمكن إلا أن تكون لحظة إلهام من الله عز وجل لذلك الإنسان الرسالي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز( ).
شجاعة القرار:
والقرار لم يكن وليد اللحظة وإنما هو قرار مدروس، أخذ وقته في الدراسة، بدليل أن هناك آراء قيلت أشار إليها خادم الحرمين الشريفين، كما أن هذه الآراء لم تكن من مصدر واحد، وإنما من مصادر متخصصة متعددة، لأن العقبات التي عرضت تتعلق بنواح إدارية وفنية ومالية، وهي آراء لها قيمتها بكل تأكيد لأنها مبنية على معلومات ومقارنات، وأرقام خاصة في ظل ظروف اقتصادية عالمية لا تساعد على اتخاذ قرار سريع، لكن مواصفات القائد هنا تتجلى في النظر في الخيارات المطروحة، واتخاذ القرار( ) على مسئوليته، من منطلق الإحساس النادر بالمسئولية الذي يتسم به خادم الحرمين الشريفين، خاصة فيما يتعلق بالحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة (أو أن أؤكد لكم أيها الإخوة أن كل شيء أستطيع تقديمه للحرمين الشريفين ورعاية الحجاج والزوار والمعتمرين على مدار العالم، وسوف لا أدخر وسعاً بالجهد والمال في سبيل استكمال هذا العمل الإسلامي الحضاري التاريخي الذي وهبت نفسي في سبيل تحقيقه، وأحمد الله أن شرفني وإخواني وأهل هذا البلد بهذا الفضل العظيم..( )) ولولا هذه الدوافع التي كانت قاعدة أساسية لاتخاذ القرار لما تحقق هذا الإنجاز العظيم في هذا الوقت القياسي، وبالشكل الذي تم به.
نقطة الانطلاق:
معايشة خادم الحرمين الشريفين لكل الظروف والمعاناة التي تمر بالمسلمين عند أداء نسكهم وصلواتهم في الحرمين الشريفين كانت وراء هذا الإنجاز، فمثلاً لاحظ -حفظه الله- أن الساحات المغطاة دون بناء والتي أقامتها التوسعة السعودية تضيق بالمصلين والزائرين والحجاج في إحدى زياراته للمدينة المنورة، وشعر أن المسجد النبوي يحتاج إلى توسعة جديدة لاستيعاب هذه الأعداد المتزايدة من المسلمين، فأمر رحمه الله في شهر محرم 1403هـ (أكتوبر 1982م)( ) بتوسعة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعة كبرى لتستوعب أكبر عدد من المصلين، وكذلك الأمر بالنسبة للمسجد الحرام، فقط لاحظ -رحمه الله- نفس الملاحظة بالنسبة لانخفاض القدرة الاستيعابية للحرم المكي الشريف لأعداد المصلين المتزايدة، فأمر رحمه في عام 1403هـ بإزالة المباني في السوق الصغير بمكة المكرمة، وتخصيص (31) ألف متر مربع كساحات للصلاة تستوعب المزيد من المصلين، وبالإضافة إلى ذلك أمر في عام 1406هـ بتنفيذ مشروع لتحسين سطح المسجد الحرام حيث أضاف هذا التحسين أمكنة لتسعين ألف مصل، وإضافة مساحات جديدة من جهة سوق الذهب والشامية والشبيكة( ) وفرشها مع المساحات الأخرى القائمة حول الحرم بالرخام المقاوم للحرارة مع ما يلزم من المظلات ودورات المياه وغيرها من مرافق الخدمات.
ورغم أن هذا البرنامج التطويري استطاع استيعاب أعداد كبيرة من المصلين إلا أن خادم الحرمين الشريفين رأى أنه لا بد من توسعة أخرى في الحرم المكي تحقق استيعاباً لعدد أكبر من المصلين لمواجهة التزايد في الأعداد فأمر -حفظه الله- بإجراء هذه التوسعة في الوقت الذي لا زال يجري العمل في توسعة المسجد النبوي، واستمر العمل فيهما معاً إلى أن تم الانتهاء من المشروعين.
متابعة دورية:
لم تكن المسألة إصدار أمر فقط، ولكنها عملية معايشة كاملة لكل مراحل العمل منذ اللحظة الأولى فمعايشته لمعاناة المصلين كانت الدافع وراء الإضافات والتوسعة، فإن معايشته لمراحل العمل كانت وراء هذا المستوى من الجودة التي لا تعادلها جودة أخرى في أي مكان، فقد كان رحمه الله يولي العمل (عنايته التي لا تكتفي بمجرد الوقوف على الخطوط العريضة لمراحل التنفيذ، وإنما بالمتابعة الدقيقة والمفصلة لكل كبيرة وصغيرة، حيث أن الخبراء والفنيين الذين شرفوا بالعمل في أعمال التوسعة الكبرى يروون أن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد يطلع ويختار بنفسه -على سبيل المثال- كل قطعة جرانيت، أو رخام، ولا يتم استخدامها إلا بعد أن يوقع عليها باسمه بعد موافقته عليها، كما يروي هؤلاء أن الملك فهد يتابع كل شيء حتى النجف والأبواب وأدوات الكهرباء( )).
(وكما يروي أهل المدينة المنورة، فقد أمضى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بينهم شهراً ونصف يواصل الليل بالنهار للإشراف على كل دقائق العمل في التوسعة الشاملة للمسجد النبوي..( )) وهذا لا يقتصر على المدينة المنورة، وإنما هو نفس الاهتمام والمتابعة بالنسبة لمكة المكرمة، والحرم المكي الشريف، وقد قام المهندسون المشرفون على أعمال الحجر الصناعي بإعداد وتنفيذ عدة نماذج من عينات مختلفة من الحجر الصناعي، وعرضت الأجزاء الأساسية منها على خادم الحرمين الشريفين الذي كان حريصاً كل الحرص على الاطلاع على تفاصيلها ومتابعتها واعتمادها قبل تركيبها في عمارة التوسعة.
ولا يقتصر الأمر على المتابعة، وإنما التداخل مع كل تفصيلات الأعمال، وأبعادها، وتأثيراتها، فكانت نظراته الثاقبة، وبعد نظره يستدعي أحياناً إعادة كاملة للمشروع، فمثلاً (في إحدى زياراته المباركة لمشروع توسعة المسجد النبوي الشريف عرضت عليه مخططات مواقف السيارات، وكانت الترتيبات التي أجريت وحسب الدراسة الموضوعة أن تكون المواقف مكونة من دور واحد، وأن تستوعب ألفي سيارة، وبمجرد اطلاعه على المخططات رغب أن تكون هذه المواقف من دورين لتستوعب ضعف العدد، أي (4200) سيارة، مع ما يتبع ذلك من خدمات، وقد تطلب هذا التوجيه إعادة النظر في المخططات وعمل مخططات أخرى)( ) وفي زيارة أخرى وببعد نظره الصائب أصدر أمره الكريم أن يتم تطور المنطقة المركزية حول الحرم من جميع الجهات، بحيث يحاط المسجد بمساحات كبرى ليبدو المسجد في القلب رائعاً باهراً، وكانت ثمرة هذا الأمر الكريم أن اتسعت هذه الساحات لاستيعاب ما يزيد على (400) ألف مصل( )).
ففي مكة المكرمة أيضاً لم يكتف -رحمه الله- بالاطلاع والمتابعة وإنما كانت له نظراته السديدة التي حرص فيها على أن يكون العمل كاملاً، وللاستفادة منه لأقصى حد، وبما يوفر الراحة والطمأنينة لرواد الحرم المكي الشريف، فقد (روعي في تصميم سطح المسجد الحرام أن يستوعب (90) ألف مصل، ولكنه لم يستخدم لوجود شبكات كهربائية منتشرة قد تعيق المصلين، وتتسبب في أخطار، فأمر خادم الحرمين الشريفين، بتجميع كل الشبكات والأجهزة الكهربائية داخل قباب لتتم الاستفادة من بقية السطح بفعالية ودون أخطار تتهدد المصلين( )، وبالنسبة للسلالم الكهربائية فقد كان التصميم الأولى أن تنشأ سلالم متحركة وأخرى ثابتة، ولكنه -حفظه الله- وجه بأن تكون جميع السلالم متحركة لتيسير الصعود والنزول)( ).
ويؤكد خادم الحرمين الشريفين في كل مناسبة هذا الاهتمام: (إن المسجد الحرام موضع اهتمام مني شخصياً، ومن جميع أعضاء الهيئة التي كلفت بمساعدتي في هذا الأمر الجليل، وأرجو من رب العزة والجلال أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن نكون عند حسن ظن إخواننا المسلمين في هذه الأماكن المقدسة، وهي كما قلت سابقاً لا يقصد بها إلا وجه الله، ثم راحة حجيج بيت الله الحرام ومن أتوا لزيارة المسجد النبوي( )).
مراحل التنفيذ:
وانطلاقاً من توجيهات خادم الحرمين الشريفين أجريت الدراسات الخاصة بالتوسعتين على أعلى المعايير المهنية، ووضعت التصميمات في صورتها النهائية بعد اطلاع الملك فهد عليها وأجازها بعد مناقشات مستفيضة، ومن ثم وضع حفظه الله حجر الأساس للتوسعة الكبرى للمسجد النبوي يوم الجمعة 9/ 2/ 1405هـ المو