بوابة الحرمين الشريفين
الحرمان في الكتاب والسنة
قدسية الحرمين وقدسية المسلم

(قدسية الحرمين.. وقدسية المسلم)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شرف الله به البشر قاطبة وجعله سراجاً منيراً للإنسانية جمعاء، يتوهج... في فلك السنين، ويتضرع شذاه في آفاق العالمين، وتهتدي بنوره قوافل الأبرار والصديقين، والهداة الراشدين.
وعلى آله وصحبه الهداة المهديين، ومن تمسك بسنته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد:
فالله تبارك وتعالى بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام اختار أشرف بقعة في الأرض لتكون مكان بيته المبارك، ولقد قامت الملائكة ببناء هذا البيت، وفقا لما تقول ما تقول الروايات المعتمدة، وتكفل الله بحفظ بيته، فنعم الكفيل، ونعم البيت.
وحين نتحدث عن الحرم المكي فإننا نحس بما يحسه العابد الخاشع حين يدلف إلى المحراب في هدأة الفجرة.. فيغمرنا شعور بالمهابة والخشوع من جلال الموقف ورهبته، ونكون كمثل من يحاول أن يسبح في بحر لا تدرك الأبصار أعماقه، ولا تتبين العيون آفاقه.
ولقد أمر الله تبارك وتعالى بتقديس بيته المحرم وتهدد بالثبور وشر الأمور الأمور من يدفعه الغرور أو الغرور إلى النيل من عدا البيت، فقد عل له تبارك وتعالى من السماء حرساً شديداً، ومن الأقدار سياجاً أميناً، ومن العناية الإلهية عصمة وأماناً، وأعلمنا أنه سيتولى تأديب من يحاول المساس بهذا البيت، قائلاً في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه: ((وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)) [الحج:25].
ولو أننا تفقدنا حقيقة التاريخ لرأينا مصارع الطغاة الذين اجتروا على الكعبة المشرفة فأخبر الله بما فعله بأصحاب الفيل، إذ أرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، وما هي إلا ساعة من نهار، حتى كان الطغاة كالعصف المأكول.
لقد أراد الله تبارك وتعالى أن يلفت نظرنا إلى مدى رعايته لبيته، فألهم الطيور الواهنة الضعيفة أن تقوم بغارة جوية تقذف خلالها الطغاة والجبارين بحبات دقيقة أشد هولاً من قذائف اللهب في العصر الحديث.
وحين رأى أبرهة الأشرم وجيشه أن السماء أطبقت عليهم بغضبها، وأن الله حمى بيته المقدس، تذكروا قول عبد المطلب:
(أن للبيت رباً يحميه)
ولم تكن محاولة أبرهة أول وآخر محاولة.... على الكعبة المشرفة، وإنما سبقتها محاولات أخرى، وتبعتها محاولة قبيلة غطفان، ومحاولة القرامطة، وقد باءت هذه المحاولات جميعاً بالإخفاق، وأثر كل محاولة فاشلة كان المسلمون تجري على ألسنتهم عبارة عبد المطلب:
(أن للبيت رباً يحميه)
وبنعمة من الله قد مد أفياء الأمان على المملكة حتى صارت مضرب الأمثال في الأمن والطمأنينة، ولم يعد أي حاج يتوجس من مخاوف الطريق؛ لأن هناك عيوناً ساهرة على راحة الحجاج والمعتمرين.
وقد نظم أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله قصيدة صور فيها ما قبل تلك الفترة التي كان الحجاج يعانون فيها من تصدي قطاع الطرق لهم وارتكابهم فظائع تقشعر منها الأبدان، والمظالم التي مارسها هؤلاء، وقد وجه شوقي قصيدته إلى خليفة المسلمين آنذاك السلطان عبد الحميد قال فيها:
ضج الحجاز وضج البيت والحرم واستصرخت ربها في مكة الأمم
قد مسها في حماك الضر فاقض لها خليفة الله أنت السيد الحكم
أهين فيها ضيوف الله واضطهدوا إن أنت لم تنتقم فالله منتقم
أفي الضحى وعيون الجند ناظرة تسبى النساء ويؤذى الأهل والحشم
ويسفك الدم في أرض مقدسة وتستباح بها الأعراض والحرم
الحج ركن من الإسلام تكبره واليوم يوشك هذا الركن ينهدم
بعد ذلك تنتقل إلى قدسية الحرم النبوي فقد أخبر المعصوم صلوات الله وسلامه عليه أن ما بين قبره ومنبره روضة من رياض في الجنة، والجنة – كما وصفها الله عز وجل لا يسمع فيها لغواً ولا تأثيماً، ولذلك فإن على زائر الروضة الشريفة أن يتمثل قدسية المكان وقدسية صاحب المكان.
وقد علمنا الله كيف نتأدب في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا نلغوا، ولا نلفظ ولا نرفع أصواتنا، بل نلتزم الوقار والأدب والسكينة، بقول الله جل شأنه:
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)) [الحجرات:2].
وهذا الأمر ليس موجهاً إلى المسلمين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فحسب، ولكنه ممتد إلى يوم القيامة، فقد روي: أن أبا جعفر المنصور حرت بينه وبين الإمام مالك مناظرة بجوار الروضة الشريفة. فقال له الإمام: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله عز وجل أدب قوماً فقال:
((لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)) [الحجرات:2].
ومدح قوماً فقال:
((إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ..)) [الحجرات:3]، الآية.
وذم قوماً فقال:
((إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)) [الحجرات:4]
وإن حرمته صلى الله عليه وسلم ميتاً كحرمته حياً.
فخجل أبو جعفر وخفض صوته.
وهكذا كان المسلمون الأوائل يعرفون قدسية الحرم النبوي، ويقدرون له قدره، وما هو أهل له.
ولو أضفنا إلى ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى} لعرفنا أن قدسية الحرم النبوي لا تقل مكانة وجلالاً عن قدسية الحرم المدني.
إن الحرم النبوي. وهذه قدسيته لا غرو أن تكون له هذه المكانة العزيزة في نفوس المسلمين.
وحسب زائر الروضة الشريفة أنه يتنسم عبير الجنة وتحف به ملائكة الرحمة ويحظى بشفاعة الرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأختم هذا بالحديث عن قدسية المسلم، وهي إضافة استنبطت معانيها من كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يطوف حول الكعبة بعد فتح مكة المكرمة.. فقد كان يقول وهو ينظر إلى الكعبة:
{ما أعظمك وأعظم حرمتك، وما أطيبك وأطيب ريحك، والمسلم أعظم حرمة عند الله منك}.
هذه الكلمات الخيرة النيرة حدد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة المسلم وحرمته عند الله.
فمن أين يكتسب المسلم هذه القدسية وهذه الحرمة؟
إنه يكتسبها من عقيدته التي يرتكز عليها في عبادته.
ويكتسبها من خلافته لله في الأرض، باعتبارها الصورة المجددة لتعاليم الإلهية، والتوجيهات السماوية.
ويكتسبها من صفاء نفسه التي أعلى الإسلام غرائزها وهذب طباعها.
ويكتسبها من طهارة قلبه النابض بحب الله ورسوله.
ويكتسبها من إيمانه المتناغم مع سلوكه المثالي والرفيع.
ويكتسبها من ذهنه الخاشع لجلال الله، والمتأمل في الملك والملكوت.
ويكتسبها من طهارة باطنه، ونظافة ظاهرة، والتسامي بآدميته إلى آفاق الفضائل ومكارم الأخلاق.
ويكتسبها من إبائه الضيم ورفضه الهوان، والاستمساك معزة الإسلام.
ويكتسبها من إنسانياته المتمثلة في الرحمة والعطف والتعالي عن سفاسف الأمور.
ولذلك فإن المسلم عظيم الحرمة عند الله، حتى أن حرمته أعظم من حرمة الكعبة، مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم.
لذلك فإن المساس بحرمة المسلمين في حرم الله فهو من الكبائر التي حذر الدين منها ونهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك توجب علينا أن نؤكد على قدسية الحرمين، وقدسية المسلم تلبية لنداء العقيدة واستجابة لمبادئ ديننا وشريعتنا.
ونزود عن هذين الحرمين، رعاية لعهدنا مع الله، وإعراباً عما في نفوسنا لهما من إجلال وتبجيل.