بوابة الحرمين الشريفين
الحرمان في الكتاب والسنة
مكانة الحرمين في الاسلام

مكانة الحرمين في الإسلام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المرسل رحمة وهداية للناس أجمعين.
أما بعد.
فإن أشرف المواطن وأفضلها لدى الله عز وجل، وإن أقدس الأماكن وأجلها عند عبادة تلكم التي يتعرف فيها الإنسان على ربه، ويقف فيها على واجبه ووظيفته.
وليست هذه المواطن التي تشع وتفيض، سوى بيوت الله تعالى، تلكم التي تمثل مراكز الإشعاع في أرض الله ومصادر العطاء الروحي والنفسي، ومعالم انضباط الذات، وصدق السلوك، والتزام المنهج في كل شؤون الحياة ومظاهرها.
ولقد كان في طليعة هذه المعاهد والمواطن على الإطلاق منذ فجر الحياة، بيت الله الحرام في مكة المكرمة، بلد الله الأمين، ذلك الذي كان أكثرها عطاء، وأبعدها عمقاً في إلهام البشرية وتوجيهها، وتحويل مسارها نحو التوحيد والإيمان، والعرفان الحق بالله، وما يصدر عنه في نطاق الحق والخير، والفضيلة، من أصالة المنهج، وسواء القصد، وسمو الوسيلة، ونبالة الغاية، فكان منذ عرفت الدنيا الحياة والأحياء والبشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: الجزيرة الوادعة وسط المحيط، والمنارة الهادية التي تلقي بأضوائها في كل اتجاه.
ولقد كان طبيعياً حينئذ أن يتوفر لهذا البيت الحرام من عناية الله ورعايته، والحفاظ عليه، ما لم يتوفر لأي مكان غيره، في أية بقعة من بقاع العالم في الشرق والغرب، حيث جند له الله عز وجل من عباده، وسخر له عبر العصور من خلقه، من تتابعوا على تطهيره، ورفع قواعده، وبنائه، وتجديد حرمه، وتوسيع ساحته، وإعداده، وتهيئته لضيوف الرحمن من قاصديه وحجاجه، وعماره، وزواره، والطائفين به، والعاكفين فيه، والقائمين الذين يفدون إليه من كل فج عميق.
فليس في الوجود كله مكان حظى بالشرف والطهر والمكانة في ضمير الإنسانية عبر أجيالها وعصورها المتعاقبة كما حظي المسجد الحرام، ومن ثم حف التاريخ به، واحتفى حفاوة لم تعهد لغيره من دنيا الناس.
قال تعالى: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)) [آل عمران:96] ((فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)) [آل عمران:97].
ومن آثار النبوة: (إن لله خواصاً في الأزمنة، والأمكنة، والأشخاص)، وإذا كانت الخواص في أشخاص أشاد القرآن بذكرها كالأنبياء والأخيار أو في أزمنة رفع الله من شأنها حتى أقسم بها كالفجر والضحى والليل، فإننا ننهض في تقديس وإكبار إلى الحديث عن بقعة من الأرض كرمها ربنا فيما كرم من بقاع، وآثرها بمزيد فضله ورضوانه، وأضفى عليها من حمايته وسلطانه حتى كانت في عين الزمن حلية الدنيا.
بقعة اختصها الله، فسماها المسجد الحرام، وسماها البيت العتيق فأي مسجد ذاك؟ وأي بيت هو؟
هو الكعبة التي جمع الله لها وصف المسجدية والحرمة والبيتية في قوله سبحانه: ((فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) [البقرة:144]، وقوله تعالى: ((جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)) [المائدة:97]، وقوله تعالى: ((وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)) [الحج:29].
وإن في وصفة بالعتاقة لإيذانا بأصالة في الشرف، وتأكيداً بأنه أول بيت وضع في الأرض للعبادة.
وبالبيت العتيق هتف القرآن غير مرة، وركز في الأذهان: أنه المهبط الذي تخيرته عناية الله أول ما تخيرت، وربطت به تاريخ البشرية في مرحلة من مراحلها الحية، وجعلته منارة تشع بضوئها في جنبات الدنيا ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)) [آل عمران:96].
وحسبنا هذه الآية وثيقة لتاريخ البيت، وستضيف إليه الآيات من بعد مناقب أخرى، جدت على الأيام.
وكأن تلك المناقب كانت أمالاً تداعب الإنسانية منذ فجرها الأول، وتنشدها منذ صبوتها الضالة، لتأنس بها في مهامه دنياها، وتركن إليها كلما هبت من حولها الأعاصير في حياتها الطولى. حتى إذا ما حان لكل منقبة من مناقب البيت، موعدها المقدور عند الله برزت في عالم الوجود، وتم بها جانب من جلال البيت على ما شاء صاحب البيت له من جلال.
ومن هنا تتابع على بناء البيت الحرام، وتجديده وكسوته سادة الناس وقادتهم وأشرافهم، وشيوخهم، وأهل النهى، وذوو الصدارة في الجاهلية والإسلام، وشاركت في ترميمه وبناياته، والحفاظ عليه، والرعاية له أموال المسلمين.
وأن بيتاً اختلف على بنائه وعمارته، ورفع قواعده وتجديده، والعناية به أقطاب الخلق وقادتهم سيما أبو الأنبياء إبراهيم الخليل، وولده الذبيح إسماعيل جد النبي محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وتنافس في ذلك كل مقدس له، معظمه لدوره، لهو البيت الذي ليس وراء شرفه شرف، ولا بعد جلاله في الأرض جلال بيت، ومقامه أنه بيت الله الحرام، وكعبته المشرفة في مكة المكرمة.
ولقد ذكر التاريخ الثبت الوثيق: عدة بنايات للبيت العتيق، على أيدي كثير من الناس، وفي غابر التاريخ السحيق، وفي حديثه وقريبه.
ولقد حفل التاريخ بهذا البيت الأمين وبناياته والقائمين عليها ثم بأوصافه ومساحاته والمتغيرات عليه. كما حفل الرواة بجمع الروايات والقصص حول البيت الحرام.
ولم يكن الباعث للمتثبتين لأخبار البيت العتيق، ، إلا الإجلال له أو التقديس لدوره، في خدمة التوحيد، ورعاية الحق، وتأصيل اليقين، وتقويم الخلق وتعديل السلوك، وتأليف القلوب بين البشر.
ولئن دل هذا وذاك على شيء، فإنما يدل على أعلى ما وصل إليه الإعظام والإجلال للبيت المعظم، ولاغرو فهو بيت الله الحرام، وقبلة إبراهيم وإسماعيل ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ولقد بلغ من عناية الله بالبيت العتيق أنه يتعرض له القرآن الكريم صراحة وضمناً، تسعاً وخمسين مرة، نراها منثورة من سورة البقرة إلى سورة النصر ((إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)) [النصر:1].
ونرى القرآن يردد ذكر البيت في ألفاظ متنوعة. وما كان القرآن الكريم ليردد ذكر البيت أو يذكر مكة باسم البلد الأمين إلا للإشادة بتلك البقاع والتوجيه إليها. لقد كان لهذا البيت أسبقية في التاريخ على كل مكان، وله أفضلية في رعاية الله.
وهذه البقعة المباركة أكثرها من سواها في الأرض تسامت البيت المعمور في السماء، والبيت المعمور مطاف للملائكة هناك. فكان اختيار هذا البيت مطافاً لنا في الأرض وفرصة لنا نتجاوب فيها مع الملائكة فضلاً من فضل الله علينا.
سار هذا البيت في مدى زمنه الطويل مزاراً للأنبياء، وقبلة للجميع، فيما كانت لهم من صلاة، وشاءت حكمة الله أن تزحف الأحداث على بناء البيت بعد أن أقامته الملائكة في مستهل الحياة الدنيا. ثم جدده آدم بعد حقبة، وجدده من بعد آدم أبناؤه بعد حقبة أخرى. ثم أذن الله أن يقيم البيت على قواعده ويشيد البناء القشيب على يد رسوله إبراهيم، وأن يعهد إليه وإلى ولده إسماعيل عليهما السلام بتطهير البيت من آثار الإهمال، وبإعداده للغاية التي من أجلها وجد منذ وجد ((وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)) [الحج:26].
المسجد الحرام له قداسته الخاصة في نفوس المسلمين فقد أضافه الله تعالى لنفسه تكريماً له، وتعظيماً لشأنه ((وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)) [الحج:26].
يقول الإمام الزركشي: ناهيك بهذه الإضافة إضافة البيت الحرام إلى الله المنوهة بذكره، المعظمة لشأنه، الرافعة لقدره، وهي السر في إقبال المسلمين عليه، وجذب قلوبهم غليه، وعكوفهم لديه.
فقد عطف سبحانه القلوب والأفئدة إليه دون غيره من البلاد، فهو للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، ولهذا أخبر الله سبحانه وتعالى أنه ((مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)) [البقرة:125]، أي يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطراً، بل كلما اقتربوا منه ازدادوا شوقاً، والسر في هذا التوقان دعاء خليل الله إبراهيم عليه السلام حينما دعا ربه بقوله: ((فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)) [إبراهيم:37].
البيت الحرام الذي بمكة هو أول بيت وضع للناس في هذه الأرض ليكون مصدر الخير والبركة، ومعلم الهدى والنور للناس أجمعين.
هذا البيت الحرام كان مصلى إبراهيم ومقامه. ساقته العناية الإلهية إليه، ليحدد معالمه، ويرفع غاياتها على يد آخر المرسلين من أبنائه وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا البيت الذي اتخذه إبراهيم مصلى له هو بيت الله وهو أول بيت على هذه الأرض، اتصل فيه الإنسان بربه منذ طفولة الإنسانية الأولى.
ولم يكن إبراهيم هو الذي أنشأه وأقامه، فهو أقدم من إبراهيم بازمان بعيدة. وفي هذا يقول الله تعالى: ((وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)) [البقرة:125].
وفي هذا دلالة على أنه كان بيتاً لله قبل أن يعهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل بتطهيره من الأوثان التي عبدها العابدون فيه. ثم يقول الله تعالى: ((وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ)) [البقرة:127]، وفيه هذا إشارة أخرى إلى أن البيت كان قائماً على قواعد وأنها كانت إلى عهد إبراهيم وإسماعيل قد تهدمت، فكان عمل إبراهيم وإسماعيل فيها هو إقامتها على أصولها التي كانت عليها. وفي اشتراك إسماعيل مع أبيه إبراهيم في إقامة هذا البيت وتطهيره من الأوثان أعداد للرسالة الإسلامية التي ستكون لمحمد ميراثاً خالصاً له من أبويه الكريمين إبراهيم وإسماعيل.
ومن هذا يبدو أن الرسالة الإسلامية كانت هي الفلك الذي تدور فيه رسالات الأنبياء والمرسلين، وأنها الجامعة التي تجتمع إليها رسالات الأنبياء والمرسلين، وأنها الجامعة التي تجتمع إليها الرسالات، وتلتقي عندها، كما أنها كانت هي المنبع الذي فاضت منه عيونها، والكواكب الذي استمدت منه شعاعها، ففي كل نبوة، وبين يدي كل نبي قبسه من أقباس الإسلام، وضوء من أضوائه، حتى جاء صاحب الرسالة الإسلامية محمد بن عبد الله، فوضعها الله بين يديه على أتم تمامها وأكمل كمالاتها.
ومن ثم كان طبيعياً أن يهيئ الله لهذا البيت المعظم من يرفعون بنيانه ويتعهدونه بالتجديد والتحسين والتوسعة والإضافة والصيانة والرعاية اللائقة به، حسبما تقتضيه ظروف كل عصر من الإمكانيات، والطاقات البشرية والمادية، وما وصل إليه العلم في مجالات العمارة والهندسة.
وعلى بساط الطهر، وتحت سماء النقاء، وفي نطاق الشفافية والسمو، كان بين موطن البيت العتيق وبين إبراهيم الخليل تفاعل مستمر، وتجاوب تام وجاذبية واتساق.
ومن وحي هذا جميعاً كانت ضراعة إبراهيم عليه السلام ودعاؤه ورجاؤه ربه، وتشبثه به أن يتم الله على هذه البقعة الطاهرة نعمته، وأن يجيلها من حول بيته الحرام موئل آمن، ومرفأ سلام، ومهوى لأفئدة المؤمنين.
ولقد كان أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام على أعلى ما عرفت البشرية من أسباب الطهر والصفاء، وعلى أرقى ما عرفت من النقاء والشفافية وسمو الروح، ورقة الوجدان، ونور البصيرة، ورحابة الأمل، ووثيق التطلع، وعظيم الرجاء في ربه، قال تعالى: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) [البقرة:126].
فالبيت الحرام هو النقطة الوحيدة التي تميزت دون سائر بقاع الدنيا، وتمركزت فيها وحدها ركائز الحق، وتغلغل في أعماقها جوهر التوحيد، وكأنها تفردت لتمثل بؤرة للضوء الصالحة، لإشعاع الهداية في الضمير الإنساني، ونشر الأمن والأمان، والإيمان في أرجاء الدنيا.
وللبيت الحرام من الآيات والبركات ما لا نظير له لأي مكان آخر في أرض الله عز وجل، من حيث جعله الله مثابة للناس وأمناً، ((وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)) [آل عمران:97]، يأمن فيه الخائف، ويطمئن الفزع، ويستقر المضطر، كما يأمن في رحابه أيضاً إلى جوار الإنسان، الحيوان، والطير والنبات والجماد، من حيث أن الله تبارك وتعالى جلب إليه الأرزاق والثمرات من كل نوع وصنف من بقاع الدنيا.
ولأن الله تعالى جعله ذروة في الأسبقية والفضل والشرف والمكانة. فهو أول مكان عرفته الدنيا لعبادة الله في أرضه ومن حوله المطاف، وفي رحابه المسعى، وفي حرمه يكون الموقوف بعرفة كما تكون سائر المشاعر في الحج والعمرة وإلى أن تقوم الساعة.. ثم به تتعلق القلوب والأفئدة، وإليه تتجه وتطوف به من قريب وبعيد، في كل ركن من أرجاء المعمورة، حيث إشعاعات هداياته وانعكاساته، قال تعالى: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)) [آل عمران:96] ((فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)) [آل عمران:97].
ولا شك أن هذا جميعاً، وما يبعث إليه من وحي مبارك، وما يحتويه من رسالة عالية خاتمة، يعد من أشرف أنواع الهدايات وأبرها وأوفاها بالبشرية قاطبة. فيه مقام الخليل إبراهيم، وموطئ قدميه وفيه بئر زمزم ذو الماء القراح المبارك، وفيه الصفا والمروة، والمسعى العتيق بينهما، وفيه الحجر الأسود والحطيم، والملتزم والركن الركن اليماني.
وما تثيره هذه الآيات من ذكريات دارت كلها في رحاب البيت وإرجاء الحرم، لما يبعث النفوس على استحضار ظروفها وملابساتها، وما ارتبط بها من مناسك ومشاعر ووجدانات وعواطف، وما اقترن بها أيضاً من رجواته ودعواته وثناءآت وتلبيات، تفيض كلها بآيات من الخشوع البالغ لله رب العالمين.
وأما عن الطمأنينة والأمن، فإن البيت الحرام يعتبر واحة الأمان ومرفأ السلم، ومهد الطمأنينة ومثواها، والمثابة التي تثوب إليها الأفئدة، وتهواها القلوب، ولا يكاد المرء يخرج منه إلا ويعاوده الحنين إليه والشوق له.
بل أن أمنه وأمانه، قد بلغ من أمر الله فيه أن أعلى كعبة وأفسح أفقه، ووسع دائرته، وأسبغ منه لا على الإنسان فحسب وإنما أيضاً على الحيوان والطير والنبات والجماد، فلا روع ولا فزع ولا خوف ولا قلق، ولا إساءة ولا أذى.
حقاً إنه حرم الله وبيته العتيق، وكعبته المشرفة مكن الله له في الأرض وجعله حرماً آمناً، يشع بالأمن والإيمان.
وذلك من حيث زيارته، والدخول إليه، والطواف به، والوداع له وتحيته، والاعتكاف فيه.
ومن حيث أمنه الذي يسبغه على زواره، وبركته التي تنعكس بالمضاعفة على كل من العبادة والطاعة فيه. وأيضاً من الهيبة التي يضفيها الله على زوار هذا البيت وحجاجه، وعماره، لقاء ما دخلوه طائعين، متواضعين، مخبتين، خاشعين، لله رب العالمين.
كذلك من حيث إشاعة الأمن، والسكينة فيه، والعمل على بث الطمأنينة والاستقرار في أرجائه.
ومن ثم أوجب الإسلام على المسلمين وندبهم نحو هذا البيت العتيق إلى خصائص ومميزات، وواجبات وسنن، ومشاعر ومناسك، تتناسب وصفاءه وطهره، ودوره في صنع الحياة، وصقل الناس بطابع الإيمان وصبغه الحق ومسحة التوحيد، وسمات السمو والنيل والشرف وواجبات الحب والإخاء، والمساواة والعدل، والقسط والإنصاف والالتزام بشتى الآداب، ومختلف القيم والمثل.
وإن المستقرئ لتاريخ الإنسانية في القديم والحديث في كافة الدنيا لن يجد وسوف لا يجد وإلى أن تقوم الساعة ما هو أعز على نفوسهم وأقدس في حياتهم من مواطن الطهر والصفاء، والروحانية والشفافية، حيث تبلغ فيها الروح قمة الإشراق، ويصل الإنسان فيها إلى أقصى ما يمكن من الاحتشاد والاستجماع للذهن والعقل والقلب والوجدان، سيما ما كان في لحظات التألق النفسي الفذ، والاستعلاء الروحي الفريد.
وفي طليعة هذه المواطن ما كان مرتبطاً منها بالعاطفة الحية والوجدان الدقيق، والإيمان الحق، واليقين الوثيق في الله رب العالمين.
ولا ينطبق هذا على مكان بصدق قدر ما ينطبق على البيت العتيق الذي جعله الله مثابة للناس وجعله حرماً آمناً، وجعله أول بيت وضع للناس في الشرف والمكانة.
ولقد تعلق الناس منذ فجر الحياة بهذا البيت العتيق، وارتبطوا به وهفت إليه نفوسهم من حيث كان ولا يزال موئل عبادتهم، ومحل طاعته، ومنطلق صلتهم بالملأ الأعلى.
الأمر الذي يمكن أن يقال معه: إن البيت الحرام كان قد احتل من نفوس المؤمنين بالله، موضع الروح من الجسد، مما حدا بالمؤمنين أن يستقر لديهم، ويتأكد فيهم الاستعداد التام لحمايته والذود عنه، وبذل المهج من أجله، وما وسعهم هذا وأطاقوه، وأن يقفوا من كل عاد عليه متربص به موقف العداء العلني الذي لا موارية فيه، ولا حيلة ولا حيدة عنه، ولا مناص منه.
ولما كانت للكعبة المشرفة من القداسة والجلال ما ليس لبيت سواه من بيوت العبادة في الأرض، فقد حرمها الله وجعلها حرماً آمنا، لا يحل انتهاكه ولا إفزاع الناس فيه من حوله، ولا شن الحرب فيه، ولا في رحابه الملحق، ولا في مكة المكرمة التي تضمه بحال من الأحوال.
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: {إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام يحرمه الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله يوم القيامة، ولا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماء أو يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب}.
ولقد تربص بالبيت العتيق بضع مرات أعداء الحق وعشاق الهمجية وأصحاب الحقد والضغينة، وذوو الميول الهابطة والأطماع الدنيئة ومن جبلوا على أساليب الكيد، ووسائل البغي، وحب العنجهية والغطرسة والغرور.
لقد كادوا له، ومكروا به، ودبروا للنيل منه بغية محوه، وصرف الأنظار عنه، بيد أن كيد الله لهم كان أكبر، ومكره كان أعظم، وتدبيره دائماً أعلى وأجل.
وهذا شأن الله دائماً، وصنيعه مع الباطل وحزبه، قال تعالى: في سورة الأنفال: ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) [الأنفال:30]، وقال تعالى في سورة فاطر: ((اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)) [فاطر:43]، وقال تعالى في سورة الرعد: ((وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)) [الرعد:42].
وقال تعالى: في سورة النحل: ((وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)) [النمل:50] ((فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ)) [النمل:51] ((فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) [النمل:52].
وقال تعالى: في سورة البقرة: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) [البقرة:114].
أجل لقد رد الله كيد البغاة على الحرم على أعقابهم خاسرين وجعل كيدهم في نحورهم على اختلاف منازعهم ومشاربهم، وأهدافهم وسواء أمر هؤلاء جميعاً في الجاهلية والإسلام، حيث لم تقم لمعتد على الحرام العتيق في البلد الأمين قائمة من قريب أو بعيد. بل أنفذ الله فيهم سنته، وسلط عليهم جنده، قال تعالى في سورة الفتح: ((وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)) [الفتح:4]، وقال تعالى في سورة المدثر: ((وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ)) [المدثر:31].
فلم يلبثوا برغم كيدهم ومظاهراتهم ومكرهم إلا ريثما أعمل الله فيهم أمره المبرم، وأنفذ فيهم قضاءه المحكم، فإذا كيدهم في ضلال وضياع.
ولقد حاول غير واحد من أولي البأس والسلطان في عصور مختلفة أن يصرفوا الناس عن هذا البيت فذهبت محاولاتهم هباء. وباء أبرهة ومن سبقه ومن لحقه، بالإخفاق في مأربهم من صرف الناس عن بيت الله لأنه كانوا يرمون من ورائه إلى غاية سياسية.
والغايات السياسية موقوته مصيرها على الزوال. وهي كذلك لا تستند إلى أساس ثابت في قراره النفس الإنسانية، ولا تمثل المعنى الروحي، ولا الحقيقة العليا التي يتعلق بها الفؤاد، ويتوق إليها القلب.
والحق أن كعبة الله المشرفة في مكة المكرمة في أمنع من حصن الكمى بحماية الله لها، وحفاظه عليها، ودفاعه عنها.
فإذا انتقلنا إلى المدينة المنورة التي تضم أطهر البقاع على الإطلاق لاحتوائها على الرفات الطهور للرسول صلى الله عليه وسلم. طالعتنا هناك مشاهد ومواطن أفضلها على الإطلاق مسجده الشريف صلى الله عليه وسلم الذي شهد كفاحه وجهاده.
وللمسجد النبوي بعد المسجد الحرام قداسته التي لا تعادلها قداسة، فقد أنشأه النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة وأم فيه خلاصة هذه الأمة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وبه منبره الشريف، وحيث توجه به أفضل بقعة على الأرض قال صلى الله عليه وسلم: فيما رواه البخاري: {ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة}.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وأني عبدك ونبيك وأنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه}.
وروي البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة}.
ومن هذا ندرك أن لهذين الحرمين الحرم المكي والحرم النبوي ولهذين البلدين مكة المكرمة والمدينة المنورة مكانة عظيمة، فهما أفضل بقاع الأرض قاطبة وقد رعاهما الله وحماهما، ورد عنهما كيد الأعادي، وعاديات الزمن.
وحري بنا أمة الإسلام أن نعقل دور بيت الله الحرام في التاريخ، وأثره في الإيمان، وعطائه للمبشر في مجالات السلام والأمن والاستقامة والرشاد وإشاعاته في حنايا الأجيال والأفراد، والجماعات والأمم.
روى ابن ماجة عن عياش بن أبي ربيعة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها فإذا ضيعوا ذلك هلكوا}.
وفي الستة الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: {والمستحل لحرم الله}، والأحاديث والآثار في تعظيم الحرم أكثر من أن تحصر.
وقد بدأ واضحاً أن لله في خلقه وكونه نماذج اختصها بفضله وحباها برعايته.
ولقد بدا هذا جلياً في بيت الله العتيق وكعبته المشرفة في مكة المكرمة وفي أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام، واسترواحه لأريج هذا البيت، وعطر بقعته الطاهرة، وعبق تاريخه الضارب في أعماق الحياة وطوايا المستقبل.
كما بدا أيضاً في إجابة الله وقبوله لدعوة إبراهيم وتلبية رغبته.
وبدا كذلك فيمن هيأهم الله عبر العصور، وأعدهم ووفقهم وهداهم لكفالة هذا البيت ورعايته وتجديده وصيانته، وتعهده والقيام على أمره وخدمته.
وبدا كذلك واضحاً فيما خص الله به المملكة العربية السعودية من نعيم العطايا، ورعاية حرمة الحرمين الشريفين، والسهر عليهما، وحراستهما وتوفير كل ما يلزمهما، ويلزم الوافدين إليهما.
ومن هنا كان من حق المملكة العربية السعودية أن تدفع عن الحرم أهل البغي والعدوان، وقد قال جمهور الفقهاء كما ذكر الزركشي في أعلام الساجد بأحكام المساجد: {أن أهل ابغي في الحرم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال، لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها.
وذهب الحسن البصري: إلى أنه لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة؛ لأن القتال فيه منهي فلا يحل ما يسببه.
وما أولانا أن نوقن تماماً وبصورة وثيقة لا تقبل الشك أو التردد أن الله تعالى جلت قدرته وعز شأنه من رواء بيوته، يحميها ويدافع عنها وهو مع أهلها، والقائمين عليها وعلى أمر الدعوة والبلاغ والتوجيه فيها كما عودهم دائماً. يكلؤهم ويرعاهم، ويحمي ظهورهم ((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)) [الحج:38]