بوابة الحرمين الشريفين
بئر زمزم
زمزم والزمازمة

 


مقدمة
الحمد لله العظيم الكبير، وأشكره على ما أعان عليه من قصد ويسر من عسير والصلاة والسلام على خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم.
وبعد:
بدأت علاقتي بزمزم وسقاية حجاج بيت الله الحرام منذ عهد الطفولة عندما كنت أشارك في أوقات الفراغ وبكل فخر في أعمال سقاية الحجاج من ماء زمزم مهنة الآباء والأجداد من خلال الخلوة التابعة لوالدي رحمه الله والواقعة في الدور السفلى من المسجد الحرام آنذاك، ولقد كبرت وكبر معي حبي لزمزم، ولطالما كنت أفخر بانتمائي إلى هذه المهنة بحكم ارتباطها المباشر بماء زمزم المبارك وما له من فضل على سائر مياه الدنيا، حتى أنني ذكرت ذلك في بعض كتاباتي الشعرية التي نشرتها في الصحف المحلية.
ولقد فكرت جدياً منذ فترة طويلة في الكتابة عن زمزم والزمازمة ولكن ظروف عملي وانشغالي ببعض الأمور الخاصة حالت دون ذلك إلى أن وفقني الله الآن إلى تحقيق هذه الفكرة.
ونهجي في إعداد هذا الكتاب هو الاسترشاد بما كتبه أساتذة أفاضل سبقوني بالكتابة عن زمزم في عصرنا الحاضر واختصار ما جاء في المراجع التاريخية عن زمزم والسقاية، إضافة إلى ذكر ما أفادني به بعض كبار السن من الزمازمة الموجودين في وقتنا الحاضر عن تاريخ زمزم والسقاية في القرن الرابع عشر الهجري، ثم استعراض سقاية حجاج بيت الله الحرام من ماء زمزم في الوقت الحاضر عن طريق مكتب الزمازمة الموحد بمكة حسبما أفادني به سعادة المهندس عبد الله عبد الستار الدويري رئيس المجلس الإداري للمكتب والذي أشكره والعاملين معه على ما لقيته منهم من دعم ومساندة كان لها أكبر الأثر في إعداد هذا الكتاب، وأخص منهم بالذكر الأستاذين محمد حسن مطر وخالد زهدي.
وأخيراً عزيزي القارئ أرجو أن تجد في هذا الكتاب ما قد يدور بخاطرك من تساؤلات عن زمزم منذ عهد إبراهيم الخليل عليه السلام وحتى الآن، كذلك عن تاريخ السقاية منذ عهد قصي بن كلاب وما مرت به من مراحل عبر العصور المختلفة وحتى عصرنا الحاضر.
راجياً من الله العلي القدير أن يوفقنا إلى ما فيه الخير والصلاح لديننا الحنيف ثم للمليك والوطن.

الفصل الأول:
زمــــزم
قصة ظهور ماء زمزم:
قال تعالى: ((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)) [إبراهيم:37] صدق الله العظيم.
وعن( ) حارثة بن مضرب عن علي رضي الله عنه قال: إن إبراهيم استوهب هاجر من سارة فوهبتها له وشرطت عليه أن لا يسرها فالتزم ذلك ثم غارت منها فكان ذلك السبب في تحويلها مع ابنها إلى مكة، فمن هنا تبدأ قصة ظهور ماء زمزم عندما( ) أمر الله تعالى نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام بالمسير من الشام إلى بلد الله الحرام، فركب البراق وحمل ابنه الرضيع إسماعيل حيث قيل إنه كان ابن سنتين، وهاجر خلفه ومعه جبريل يدله على موضع البيت، فوضعهما إبراهيم عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس فيها ماء ولا عمارة ولا زراعة. وجاء( ) في تاريخ ابن كثير المسمى (البداية والنهاية) في الجزء الأول عند الكلام على ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى جبال (فاران) وهي أرض مكة - ما نصه: قال البخاري: قال عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن أيوب السختياني عن كثير بن كثير بن المطلب ابن أبي وداعة يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفى أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قضى إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنس ولا شيء؟ فقالت له مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه فقال: ((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)) [إبراهيم:37].
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر يلتوي، أو قال يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً؟ فلم ترى أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف ذراعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى إذا جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: {فلذلك سعى الناس بينهما، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعدما تغرف}، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: {يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم} أو قال: {لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً}.
فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعاً من أرض كالرابية تأتي السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كذا فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جرياً أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا تأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم. ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم.
قال عبد الله بن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألقى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم، فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. انتهى.
وجاء( ) في تاريخ الخميس عندما وصل إبراهيم عليه الصلاة والسلام بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة المشرفة ما نصه: وفي معالم التنزيل: فوضعهما إبراهيم عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء ولا عمارة ولا زراعة.
وفي رواية: وضعهما عند تل ستبنى الكعبة عليه، وفي الاكتفاء: فلما أراد إبراهيم أن يخرج ورأت أم إسماعيل أنه ليس بحضرتها أحد من الناس ولا ماء ظاهر تركت ابنها في مكانه وتبعت إبراهيم فقالت: يا إبراهيم إلى من تدعنا، فسكت عنها حتى إذا دنا من كداء: قال إلى الله عز وجل أدعكم، قالت: فالله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: فحسبي تركتنا إلى كاف.
وانصرفت هاجر إلى ابنها وخرج إبراهيم حتى وقف على كداء ولا بناء ولا ظل ولا شيء يحول دون ابنه فنظر إليه فأدركه ما يدرك الوالد من الرحمة لولده، فقال: ((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ)) [إبراهيم:37].
((مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)) [إبراهيم:37].
وفي رواية: فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه إلى البيت بهذه الدعوات.

ما ذكر عن حفر بئر زمزم:
ذكر الفاكهي( ) خبراً يقتضى أن الخليل عليه السلام حفر زمزم وقصته كانت بينه وبين ذي القرنين في زمزم لأنه قال: حدثنا عبد الله بن عمران المخزومي قال: حدثنا سعيد بن سالم قال: حدثنا عثمان بن ساج قال: بلغنا في الحديث المأثور عن وهب بن منبه قال: كان بطن مكة ليس فيه ماء وليس لأحد فيه قرار حتى انبط الله لإسماعيل زمزم فعمرت يومئذ مكة وسكنها من أجل الماء قبيلة من اليمن يقال لها جرهم، وليست من عاد كما يقال، ولولا الماء الذي انبطه الله تعالى لإسماعيل من عمارة لم يكن لأحد بها يومئذ مقام، قال عثمان: وذكر غيره أن زمزم تدعى سابق، وكانت وطأة من جبريل، وكانت سقياها لإسماعيل يوم فرج له عنها جبريل وهو يومئذ وأمه عطشانان فحفر إبراهيم بئر زمزم بعد ذلك.
وقال أهل العلم( ): كانت جرهم تشرب من زمزم فمكثت بذلك ما شاء الله أن تمكث، فلما استخفت جرهم بالحرم وتهاونت بحرمة البيت وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها سراً وعلانية، وارتكبوا مع ذلك أموراً عظاماً نضب ماء زمزم وانقطع فلم يزل موضعه يدرس ويتقادم وتمر عليه السيول عصراً بعد عصر حتى غبى مكانه، وقد كان عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي قد وعظ جرهماً في ارتكابهم الظلم في الحرم واستخفافهم بأمر البيت وخوفهم النقم وقال لهم: إن مكة بلد لا تقر ظالماً، فالله الله قبل أن يأتيكم من يخرجكم منها خروج ذل وصغار، فتتمنوا أن تتركوا تطوفون بالبيت فلا تقدروا على ذلك، فلما لم يزدجروا ولم يعون وعظه عمد إلى غزالين كانا في الكعبة من ذهب وأسياف قلعية كانت أيضاً في الكعبة فحفر لذلك كله بليل في موضع زمزم، ودفنه سراً منهم حين خافهم عليه فسلط الله عليهم خزاعة فأخرجتهم من الحرم ووليت عليهم الكعبة والحكم بمكة ما شاء الله أن تليه وموضع زمزم في ذلك لا يعرف لتقادم الزمان حتى بوأه الله تعالى لعبد المطلب بن هاشم. لما أراد الله من ذلك فخصه به من بين قريش.
وقد تحدث الفاكهي عن ذلك فقال( ) وكان أول ما ابتدئ به عبد المطلب من أمرها وهو نائم في الحجر كما حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري، عن (مرثد)( )بن عبد الله اليزني، عن عبد الله بن زرير الغافغي، قال: أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها، قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت، فقال: احفر طيبة. فقلت: وما طيبة؟ ثم ذهب عني فرجعت إلى مضجعي، فنمت الغد فجاءني فقال: احفر بره. قلت: وما بره؟ ثم ذهب عني فلما كان الغد، رجعت إلى مضجعي، فنمت، فجاءني، فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم( ) عند قرية النمل.
قال: فلما تبين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه صدق غدا بمعوله ومعه الحارث بن عبد المطلب، ليس معه ولد غيره، فلما بدا لعبد المطلب الطوى كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته قاموا وقالوا: يا عبد المطلب ميراثنا من أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها شركاً فأشركنا معك فيها قال: ما أنا بفاعل، إن هذا أمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم، قالوا: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نحاكمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أخاصمكم إلى كاهنه بني سعد بن هذيم؟ قالوا: نعم، وكانت بأشراف الشام.
فركب عبد المطلب في نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة نفر. قال: والأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض المفاوز بين الحجاز والشام في ماء عبد المطلب وأصحابه وظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا: إنا بمفاوز، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم.
فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم تخوف على نفسه وأصحابه وقال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت.
قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرة لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته وواروه حتى يكون آخركم رجلاً، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً.
قالوا: نعم ما أمرتنا به، فقام كل رجل منهم فحفر حفرة له، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هلكاً للموت لا تضرب في الأرض ونستبق أنفسنا لعجز فعسى الله تعالى أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا، فارتحلوا حتى فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعث به انفجر من تحت خفها عين من ماء عذب فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واسقوا فشربوا ثم قالوا: والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبداً، إن الذي أسقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك وإنه بدا له فرجع ورجعوا ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها.
وعن علي بن أبي طالب( ) رضي الله عنه أنه قيل لعبد المطلب حين أمر بحفر زمزم: ادع بالماء الرواء غير الكدر فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال أتعلمون أني قد أمرت أن أحفر زمزم؟ قالوا: فهل بين لك أين هي؟ قال: لا. قالوا: فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت إن يكن حقاً من الله بين لك وإن يكن من الشيطان لم يرجع إليك.
فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فأري. فقيل: احفر زمزم. إن حفرتها لم تذم وهي تراث أبيك الأعظم فلما قيل له ذلك: قال: وأين هي؟ قال: قيل له: عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غداً، قال: فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره، فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين: أساف ونائلة، فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر.
فقامت إليه قريش حين رأوا جده فقالت: والله لا ندعك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما.
فقال عبد المطلب للحارث: دعني أحفر والله لأمضين لما أمرت به، فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه فلم يحفر إلا يسيراً حتى بدا له الطي، طي البير فكبر وعرف أنه قد صدق، فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذين دفنت جرهم حين خرجت من مكة، ووجد فيها أسيافاً قلعية وأدرعاً وسلاحاً. فقالت له قريش: إن لنا معك في هذا شركاً وحقاً. قال: لا. ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم نضرب عليها بالقداح، قالوا: وكيف نصنع؟ قال: اجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين. قالوا: أنصفت فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش. ثم قال: أعطوها من يضرب بها عند هبل وقام عبد المطلب، فقال:
لا هم أنت الملك المحمود ربي وأنت المبدي المعيد
من عندك الطارف والتليد فأخرج لنا الغداة ما تريد
فضرب بالقداح فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة وخرج الأسودان على الأسياف والدروع لعبد المطلب وتخلف قدحا قريش فضرب عبد المطلب الأسياف على باب الكعبة وضرب فوقه أحد الغزالين من الذهب، فكان ذلك أول ذهب حليته الكعبة وجعل الغزال الآخر في بطن الكعبة في الجب الذي كان يجعل فيه ما يهدي إلى الكعبة وكان هبل صنم قريش في بطن الكعبة على الجب فلم يزل الغزال في الكعبة حتى أخذه النفر الذي كان من أمرهم ما كان، فظهرت زمزم.
يقول مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس( ) وهو يذكر فضل بعبد مناف وما أقاموا عليه من سقاية الحاج والرفادة ويفخر بزمزم حين أظهرها الله عز وجل لبني عبد مناف.
ورثنا المجد عن آبا ئنا فرقا بنا صعدا
وأي مناقب الخير لم تشدد بنا عضدا
ألم نسق الحجيج ونذ حر الدلافة الرفدا
ونلقى عند تصريف الـ منايا سادة سددا
وزمزم من أرومتنا وبرغم أنف من حسدا
وخير الناس أولنا وخير الناس إن بعدا
فإن نهلك فلن نملك وهل من خالد خلدا
وأي الناس لم نملك و نمجده وإن مجدا
وقال:( ) الفضل بن عبد الرحمن بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يذكر فضل بني عبد المطلب في زمزم: لقد فضل الرحمن آل محمد بعلم وكان الله بالناس أخبرا سقاهم ليسقوا الحاج في الحج زمزما وخط لهم في جنة الخلد كوثرا كما قالت صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها:
نحن حفرنا للحجيج زمزما شفاء سقم وطعام مطعما
ركضه جبريل ولما تعظما سقيا نبي الله في المحرما ابن خليل ربنا المكرما
ما جاء في آداب الشرب من ماء زمزم عن عبد الله بن أبي مليكه
قال:( ) {جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: من أين جئت؟ قال: شربت من زمزم، فقال ابن عباس: أشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف يا أبا عباس؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله تعالى، وتنفس وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن بيننا وبين الناس إنهم لا يتضلعون( ) من زمزم.
وعن عكرمة قال: [[كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء]] (أخرجهما الدارقطني، وابن ماجه)
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: {كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في صفة زمزم، فأمر بدلو فنزعت له من البئر فوضعها على شفة البئر، ثم وضع يده من تحت عراقي( ) الدلو ثم قال: باسم الله، ثم كرع فيها، فأطال، ثم أطال، فرفع رأسه، فقال: الحمد لله، ثم عاد فقال: بسم الله. ثم كرع فيها فأطال وهو دون الأول، ثم رفع رأسه فقال: الحمد لله. ثم كرع منها فقال: بسم الله فأطال وهو دون الثاني، ثم رفع رأسه فقال: الحمد لله، ثم قال صلى الله عليه وسلم: علامة ما بيننا وبين المنافقين: لم يشربوا منها قط حتى يتضلعوا} (أخرجهما الأزرقي).
بعض الأحكام المتعلقة بزمزم:
حكم الاغتسال في زمزم:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [[( )بلغني أن رجلاً من بني مخزوم من بني المغيرة اغتسل في زمزم، فوجد من ذلك العباس وجداً كبيراً، فقال: لا أحلها لمغتسل، وهي للشارب حل( ) وبل وللمتوضئ حل وبل]] (أخرجه أبو ذر وأبو الوليد الأزرقي)
وعن زر بن حبيش قال: [[رأيت العباس بن عبد المطلب في المسجد الحرام وهو يطوف حول زمزم ويقول: لا أحلها لمغتسل، وهي لمتوضئ وشارب حل وبل]]، قال سفيان: يعني لمغتسل فيها، وذلك أنه وجد رجلاً من بني مخزوم، وقد نزع ثيابه وقام يغتسل من حوضها عرياناً والظاهر أنه يريد الغسل من الجنابة، لمكان تحريم اللبث في المسجد للجنب وفي قوله في المسجد تنبيه عليه وإنما أسند التحريم إلى نفسه لأنه ملك الماء لحيازته في حياض كان يجعلها هناك يضع فيها الماء، فالمغتسل من الجنابة فيها ارتكب التحريم من وجهين:
من جهة اللبث في المسجد ومن جهة استعمال الماء المملوك دون إذن مالكه ويكون منعه إما تنزيهاً للمسجد وإما تعظيماً للماء والأول أظهر لقوله (يعني المسجد).
حكم نقل ماء زمزم إلى خارج مكة المكرمة:
ذكر الإمام الفاسي( ) بأنه يجوز نقل ماء زمزم إلى خارج مكة باتفاق المذاهب الأربعة بل هو مستحب عند المالكية والشافعية.
عن عائشة رضي الله عنها( ) أنها كانت تحمل ماء زمزم وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله. (رواه الترمذي). وعن أبي حسين قال( ) كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سهيل ابن عمرو: إن جاءك كتابي ليلاً فلا تصبح وإن جاء جاءك نهاراً فلا تمسي حتى تبعث إلي بماء من ماء زمزم، فاستعانت امرأته أثيلة الخزاعية جدة أيوب بن عبد الله فأدلجتاهما وجواريها فلم تصبحا حتى فرتا مزادتين وملأتاهما وجعلتاهما في كرتين غوطيين.
(أخرجه أبو موسى المديني في تتمته، وقال: الكر جنس من الثياب الغلاظ، وأخرجه الأزرقي أيضاً).
وعن عطاء( ) أن كعب الأحبار كان يحمل معه من ماء زمزم، ويتزوده إلى الشام.
(أخرجهما الواقدي)
قال الفاكهي:( )حدثني أبو العباس، أحمد بن محمد عن خلاد الجعفي، قال: ثنا زهير، عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: إن عائشة رضي الله عنها - حملت من ماء زمزم في القوارير للمرضى، وقالت حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأدواء والقرب وكان يصبه على المرضى ويسقيهم.
كما ذكر الفاكهي أيضاً قال: حدثني أبو العباس عن حسن بن الربيع عن مسلم أبي عبد الله عن الحسن الجفري عن حبيب قال: قلت لعطاء: آخذ من ماء زمزم؟ قال: نعم، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمله في القوارير، وحنك به الحسن والحسين رضي الله عنهما بتمر العجوة.
أسماء زمزم:
زمزم( ) بفتح الزاي وسكون الميم وتكرارهما قيل سميت زمزم لكثرة مائها، وقيل إن هاجر قالت عندما انفجر ماء زمزم: زم زم، بصيغة الأمر أي أنم وزد كما قيل أيضاً، إنها سميت بذلك لأن الفرس في الزمن الأول كانت تأتي زمزم فتزمزم عنده.
وقد تعددت أسماء زمزم وهو ما يدل على علو الشأن.
يقول الشاعر( ):
واعلم بأن كثرة الأسامي دلالة أن المسمى سام روى الفاكهي( ) عن أشياخ مكة فقال: إن لها أسماء كثيرة فمن أسمائها زمزم: لصوت الماء فيها أو لكثرة مائها، يقال ماء زمزم أي كثير، أو لزمزمة جبريل وكلامه. همزة جبريل: لأنها هزمته في الأرض.
ظبية: بالظاء المعجمة والباء الموحدة على مثل واحدة الظبيات. سميت بها تشبيهاً لها بالظبية وهي الخريطة لجمعها ما فيها قاله ابن الأثير في النهاية.
طيبة: سميت به لأنه للطيبين والطيبات من ولد إبراهيم وإسماعيل عليه السلام، قاله السهيلي.
بره وعصمه: لأنها فاضت للأبرار وغاضت عن الفجار. مضنونه: لأنه ضن بها على غير المؤمنين فلا يتضلع منها منافق.
قاله: وهب بن منبه.
شباعه للعيال: لأن أهل العيال في الجاهلية كانوا يغدون بها عيالهم فينيخون عليها فتكون صبوحاً لهم.
عونة: سميت به لكونهم كانوا يجدونها عونا على عيالهم. سقيا الله إسماعيل: لكون مكة لم يكن بها ماء لسيدنا إسماعيل فسقاه الله بها.
بركه: بفتح الراء وما قبلها. سيده: لأنها سيدة جميع المياه.
نافعة: لنفعها للمؤمنين.
بشرى
صافية: لصفائها.
معذبة: بسكون العين وكسر ما بعدها من العذوبة لأن المؤمن إذا تضلع منها يستعذبها أي يستحليها كأنها حليب على ما هو ظاهر.
طاهرة: لعدم وضعها في جوف غير المؤمن وعدم وصولها في أيدي الكفرة، أو لأن الله طهرها بقوله: وسقاهم ربهم شراباً طهوراً.
حرمية: لوجودها بالحرم.
مروية: لأنها تسري في جميع أعضاء البدن فيتغذى منها كما يتغذى من الطعام.
سالمة: لأنها لا تقبل الغش.
ميمونة: من الميمنة وهي البركة والسنة.
مباركة: لأن ماءها لا ينفد أبداً لو اجتمع عليه الثقلان ولم ينزح.
كافية: لأنها تكفي عن الطعام وغيره.
عافية: لأن من يشرب منها لا يهزل.
طعام طعم: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث إسلام أبي ذر أنها مباركة، أنها طعام طعم. (رواه مسلم وأبو داود)
مؤنسة: لأنس أهل الحرم بها.
شفاء سقم: لأن الإنسان إذا أصيب بمرض بمكة المكرمة فدواءه ماء زمزم مع نيته الصالحة.
ويقول الفاكهي أيضاً:( )أعطاني أحمد بن محمد بن إبراهيم كتاباً ذكر أنه عن أشياخه من أهل مكة فكتبته من كتابه، فقالوا: هذه تسمية أسماء زمزم. هي زمزم، وهي: هزمة جبريل عليه السلام، وسقيا الله إسماعيل عليه السلام - لا تنزف ولا تذم، وهي بركه وسيدة، ونافعة ومضنونة، وعونة، وبشرى، وصافية وبره، وعصمة، وسالمة، وميمونة، ومباركة، وكافية، وعافية، ومغذية، وطاهرة، ومقداة، وحرمية، ومروية، ومؤنسة، وطعام طعم، وشفاء سقم.
وأنشدنا الزبير بن أبي بكر لبعضهم:
طعام طعم لمن أراد ومن يبغي شفاء شفته من سقم
فوائد الشرب من ماء زمزم:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال( ) كان أهل مكة لا يسابقهم أحد إلا سبقوه، ولا يصارعهم أحد إلا صرعوه، حتى رغبوا عن ماء زمزم فأصابهم المرض في أرجلهم. (أخرجه أبو ذر)
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماء زمزم لما شرب له إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته ليشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهي هزمه جبريل وسقيا الله إسماعيل.
أخرجه الدارقطي وسعيد بن منصور موقوفاً، وأخرجه أحمد
وابن ماجه منه مرفوعاً: ماء زمزم لما شرب له، من رواية جابر. فمما لا شك فيه أن للشرب من ماء زمزم فوائد كثيرة فعليك يا أخي المسلم أن تشرب وتتضلع منه لأنه أفضل ماء على وجه الأرض.
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن( ) النبي صلى الله عليه وسلم: {خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم}.
وعن( ) ابن خيتم قال: قدم علينا وهب بن منبه فاشتكى فجئناه نعوده فإذا عنده من ماء زمزم قال: فقلنا له: لو استعذبت فإن هذا الماء فيه غلظ. قال: ما أريد أن أشرب حتى أخرج منها - غيره. والذي نفس وهب بيده أنها لفي كتاب الله تعالى: (زمزم لا تنزف ولا تذم)، وإنها لفي كتاب الله (بره، شراب الأبرار) وإنها لفي كتاب الله: (مضنونة) وإنها لفي كتاب الله تعالى: طعام طعم وشفاء سقم، والذي نفس وهب بيده لا يعمد إليها أحد فيشرب منها حتى يتضلع إلا نزعت منه داء وأحدثت له شفاء. (أخرجه سعيد بن منصور والأزرقي)
فهذه الأخبار مما تؤيد صحة حديث: {ماء زمزم لما شرب له}، وقد شربه جمع من العلماء لمطالب فنالوها( )، فقد ورد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه شربه للعلم والفقاهة، فكان أفقه زمانه.
وقال البكري رحمه الله تعالى وأنا قد جربت ذلك فوجدته صحيحاً على أنني لم أشربه إلا على يقين من هذا وتصديق بالحديث. انتهى.
كما صح عن إمامنا الشافعي رضي الله عنه( ) أنه شربه للعلم فكان فيه الغاية وشربه للرمي فكان يصيب من كل عشرة تسعة وشربه أبو عبد الله الحاكم لحسن التصنيف وغيره فكان أحسن أهل عصره تصنيفاً.
وفي مناسك ابن العجمي( ) والبحر العميق للقرشي نقلاً عنه ينبغي لمن أراد شربه للمغفرة أن يقول عند شربه: اللهم إنه بلغني أن رسولك صلى الله عليه وسلم قال: {ماء زمزم لما شرب له} اللهم وإني أشربه لتغفر لي، اللهم فاغفر لي.
وإن شربه للاستشفاء به من مرض قال: اللهم إني أشربه مستشفياً به، اللهم فاشفني.
بركة وفضل ماء زمزم:
أجمع العلماء على أن ماء زمزم أفضل من جميع المياه على الإطلاق، وقد ورد في فضل وبركة ماء زمزم أحاديث نبوية كثيرة وروايات عن الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح.
عن أنس بن مالك( ) رضي الله عنه {كان أبو ذر رضي الله عنه يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فرج سقفي وأنا بمكة فنزل جبريل عليه السلام ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً، فأفرغهما في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح، قال: من هذا؟ قال: جبريل}.
ذكر( ) شيخنا الحافظ العراقي أن حكمة غسل صدر النبي صلى الله عليه وسلم بماء زمزم ليقوى به صلى الله عليه وسلم على رؤية ملكوت السموات والأرض والجنة والنار لأن من خواص ماء زمزم أنه يقوي القلب ويسكن الروع. (انتهى).
وعن ابن عباس قال:( )صلوا في مصلى الأخيار واشربوا من شراب الأبرار. قيل لابن عباس: ما مصلى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب، قيل: وما شراب الأبرار؟ قال: ماء زمزم.
ويروي أبو ذر رضي الله عنه قصة قدومه إلى مكة واستخفائه بها حين أسلم فيقول: {وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه وصلى، فلما قضى صلاته قال أبو ذر: فكنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: وعليك السلام ورحمة الله، ثم قال: من أين أنت؟ قلت: من غفار. قال: متى كنت ها هنا؟ قال: قلت: قد كنت ها هنا من ثلاثين بين ليلة ويوم، قال: فمن كان يطعمك؟ قال: قلت: ما ( كان لي طعام إلاماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكنى، وما أجد على كبدي سخفة جوع( )، فقال صلى الله عليه وسلم: إنها مباركة، إنها طعام طعم}، أخرجاه وأخرجه أبو داود الطيالسي، وزاد: وشفاء سقم.
وعن أم أيمن( ) حاضنة الرسول صلى الله عليه وسلم: {أنه صلى الله عليه وسلم ما اشتكى جوعاً قط ولا عطشاً، كان يغدو إذا أصبح، فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغذاء فيقول: أنا شبعان}. (رواه القرشي)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته تستشفى شفاك الله وإن شربته مستعيذاً أعاذك الله، وإن شربته لتقطع ظمأك قطعه}.
ذكره القرشي أيضاً وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا شرب زمزم قال: اللهم أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء. رواه الحاكم في المستدرك وهذا لفظه.
والدار قطني. قال ابن العربي: وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة، يعني العلم والرزق والشفاء لمن صفت نيته وسلمت طويته ولم يكن به مكذباً ولا يشربه مجرباً فإن الله مع المتوكلين وهو يفضح المجرمين. انتهى.
وقال الحافظ ابن القيم( ) في زاد المعاد يصف ماء زمزم: ماء زمزم سيد المياه وأشرفها وأجلها قدراً وأحبها إلى النفوس وأغلاها ثمناً وأنفسها عند الناس وهزيمة جبريل، وسقيا إسماعيل عليه السلام.
كما قال الضحاك بن مزاحم( ) إن المياه العذبة ترفع وتغور
قبل يوم القيامة إلا ماء زمزم والله أعلم بذلك.
وذكر الإمام بدر الدين الصاحب أن ماء زمزم يفضل مياه الأرض كلها طباً وشرعاً حيث يقول: (وازنت ماء زمزم بماء عين مكة فوجدت زمزم أثقل من العين بنحو الربع ثم اعتبرتها بميزان الطب فوجدتها تفضل مياه الأرض كلها طباً وشرعاً.
قال الكردي( ):
ولقد فضل ماء زمزم على بقية المياه من عدة وجوه:
1- كان سبب وجوده ونبعه هو إسماعيل عليه السلام وأمه (هاجر).
2- كان إخراجه بواسطة جبريل عليه السلام.
3- خروجه في أقدس بقعة على وجه الأرض أمام الكعبة المشرفة في المسجد الحرام.
4- منبعه تحت الأرض من ثلاث جهات من أشرف البقاع، جهة الركن الأسود وهو أفضلها وجهة الصفا والمروة.
5- زمزم شرب منه الأنبياء والأصفياء والأتقياء والأبرار.
6- زمزم غسل به قلب النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: {بينما أنا في الحطيم مضطجعاً... إلخ}.
7- لما نزعو للنبي صلى الله عليه وسلم دلواً شرب منه ثم مج في الدلو ثم صبه في البئر، كما جاء في رواية الطبراني وغيره.
وقال العلامة( ) ألشيخ أحمد بن محمد بن شمس الدين المكي الحنفي في رسالته المسماة (بالجوهر المنظم في فضائل ماء زمزم ما يأتي (فائدة) إن قيل هل الفضيلة الثابتة لماء زمزم لعينه أم لأجل البقعة (أجيب) بأنها له إذ لو لم يكن كذلك للزم فيما إذا حفرت بئر أخرى في المسجد الحرام ثبوت ما يثبت لزمزم من الفضائل لها وليس ذلك، ثم إن من القواعد الاستحبابية عندنا أن كل طواف بعده سعي ينبغي لطائفة إتيان زمزم بعد إتمام ركعتي طوافه والشرب منها ثم العود إلى الحجر الأسود واستلامه والخروج إلى الصفا من بابه للخروج عن عهدة السعي وكذا يندب للواردين إلى بيت الله الحرام من الحجاج بعد فراغهم من طواف الصدر وهو طواف الوداع أن يأتوا زمزم فيتضلعوا منها مع مراعاة آداب الشرب. انتهى.
كما تحدث الفاكهي( ) عن فضل زمزم أيضاً فقال: حدثنا أبو العباس، قال: ثنا محمد بن العلاء قال ثنا محمد بن الصلت عن قيس بن الربيع عن أبي حصين عن مجاهد قال: كنا نسير في أرض الروم قال: فأوانا الليل إلى راهب فقال: هل فيكم من أهل مكة أحد؟ قلت: نعم، قال: كم بين زمزم والحجر؟ قلت: لا أدري إلا أن أحزره. قال: لكني أنا أدري أنها تجري من تحت الحجر ولأن يكون عندي منها ملء طست أحب إلي من أن يكون عندي ملأه ذهب.
كما قال: حدثي قريش بن بشر التميمي، قال: ثنا إبراهيم بن بشر عن محمد بن حرب عمن حدثه قال: إنه أسر في بلاد الروم وإنه صار إلى الملك فقال له: من أي بلد أنت؟
قال: من أهل مكة، فقال: هل تعرف بمكة هزمة جبريل؟ قال: نعم، قال: فهل تعرف بره؟ قال: نعم، قال: فهل لها اسم غير هذا؟ قال: نعم هي اليوم تعرف بزمزم. قال: فذكر من بركتها ثم قال: أما إنك إن قلت هذا إنا نجد في كتبنا أنه لا يحثو رجل على رأسه منها ثلاث حثيات فأصابته ذلة أبداً.
ومما زاد ماء زمزم بركة على بركته وفضل على فضله شرب النبي صلى الله عليه وسلم منه واختلاط ريقه الشريف به.
ذكر أبو ذر في منسكه( ) عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أفاض دعا بسجل من ماء زمزم فتوضأ.
وأخرجه أحمد أيضاً وقال: فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ.
وأخرجه أيضاً من حديث ابن عباس، وزاد: وقال: {لولا أن يتخذها الناس نسكاً ويغلبوكم عليه لنزعت معكم}. وفي رواية عنده، أنهم لما نزعوا الدلو غسل منه وجهه وتمضمض فيه ثم أعاده فيها. وكذلك أخرجه سعيد بن منصور.
وعن أنس( ) رضي الله عنه قال: {جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمزم فنزع دلو فشرب منه ثم مج فيه ثم صبه في زمزم}.
قال الفاكهي:( )حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا سفيان عن مسعر عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه، قال: {إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بدلو من ماء زمزم فشرب واستنثر خارجاً من الدلو ومضمض ثم مج فيه.
العيون التي تغذي بئر زمزم:
ذكر الأزرقي( ) بأن في قعرها ثلاث عيون: هي عين حذاء الركن الأسود وعين حذاء أبي قبيس والصفا وعين حذاء المروة.
كما ذكر الفاكهي( ) خبراً فيه، أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار: فأي عيونها أغزر؟ قال العين التي تخرج من قبل الحجر، قال صدقت.
ومما يدل( ) على وجود العيون الثلاثة أتي ذكرها الأزرقي في قعر زمزم هو ما رواه الدار قطني في سننه عن ابن سيرين أن زنجياً وقع في بئر زمزم فمات فأمر به ابن عباس فأخرج وأمر بها أن تنزح فغلبتهم عين جاءت من الركن فأمر بها فسدت بالقياطي والمطارف ونحوها حتى نزحوها فلما نزحوها انفجرت عليهم.
وأخرج الطماوي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء أن حبشياً وقع في زمزم فمات فأمر عبد الله بن الزبير بنزح ماءها فجعل الماء لا ينقطع، فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود، فقال ابن الزبير: حسبكم. وقال العمري في مسالك الأبصار وقد وقع فيها حبشي فنزحت من أجله فوجدوا ماءها يثور من ثلاث أعين أقواها ماء عين من ناحية الحجر الأسود.
كما قال الفاكهي( ) حدثنا عبد الجبار بن العلاء قال: ثنا سفيان عن ابن عروبة عن قتادة، قال: إن إنساناً وقع في زمزم فمات فأمر ابن عباس رضي الله عنهما أن تسد عيونها وأن تنزح. وبعد تنظيف بئر زمزم في محرم عام 1400هـ يتحدث المهندس يحيى كوشك عن العيون التي تغذي البئر فيقول( ) من الملاحظ أن الروايات التاريخية تحدثت عن وجود ثلاث عيون (عين حذاء الركن الأسود وعين حذاء أبي قبيس والصفا وعين حذاء المروة) بينما تبين بالمشاهدة أن هناك مصدرين أساسيين فقط أحدهما تجاه الكعبة والآخر تجاه جياد أما المصدر الثالث التي قالت الروايات التاريخية أنه جهة جبل أبي قبيس والصفا فقد وجدت بدلاً منه تلك الفتحات الصغيرة بين أحجار البناء وعددها 21 فتحة، ومن المحتمل أنه عند قفل هذا المصدر عند إصلاح بئر زمزم سنة 1028هـ تفجرت المياه من بين حجارة البناء فقد ذكر الغازي في تاريخه عن العلامة الخضراوي رضي الله عنه في (تاج تواريخ البشر) أنه في شهر رمضان عام 1028هـ وقع في بئر زمزم أحجار كثيرة من الجهة الشامية والغربية وقد أصلحت في يوم الإثنين الرابع من شهر شوال سنة 1028هـ وتم البناء يوم السادس عشر من شوال فما باشر الماء جعل رمضا من غير جبس ولا نوره وما لم يباشر الماء جعل بالنورة والجبس.

 


الفصل الثاني
السقاية
أصل السقاية:
السقاية( ) حياض من أدم كانت على عهد قصي توضع بفناء الكعبة ويسقى فيها الماء العذب من الآبار ويسقاه الحاج.
قال أهل التواريخ( ) كان أصل السقاية حياض من أدم توضع على عهد قصي بفناء الكعبة ويستقي فيها الماء للحاج وأصل الرفادة: خرج كانت قريش تخرجه من أموالها إلى قصي يصنع بها طعاماً للحاج يأكله من ليس له سعة وكان ينحر على كل طريق من طرق مكة جزوراً وينحر بمكة جزراً كثيرة ويطعم الناس ويسقى اللبن والزبيب وكان يحمل راجل الحاج ويكسو عاريهم، وعن ابن عائشة عن أبيه قال: أول من أطعم الحاج الفالوذج بمكة عبد الله بن جدعان. قال أبو عبيدة: وفد ابن جدعان على كسرى، فأكل عنده الفالوذج فسأل عنه فقالوا لباب البرمع العسل. فقال: أبغوني غلاماً يصنعه، فأتوه بغلام فابتاعه فقدم به مكة وأمره فصنعه للحاج ووضع الموائد من الأبطح إلى باب المسجد ثم نادى مناديه: ألا من أراد الفالوذج فليحضر فحفر الناس وما زال إطعام الحاج في الجاهلية وفي الإسلام وكانت الخلفاء تقيمه ولا يكلفون أحداً من ماله شيئاً وكان معاوية قد اشترى داراً بمكة وسماها دار المراجل وجعل فيها قدوراً ورسم لها من ماله وكانت الجزر والغنم تذبح وتطبخ فيها ويطعم الحاج أيام المواسم ثم يفعل ذلك في شهر رمضان. أخرج ذلك كله الحافظ أبو الفرج في مثير الغرام.
السقاية قبل ظهور الإسلام:
ذكر الأزرقي( ) كان قصي بن كلاب أول رجل من كنانة أصاب ملكاً وأطاع له به قومه فكانت إليه الحجابة والرفادة والسقاية والندوة واللواء والقيادة، فلما جمع قصي قريشاً بمكة سمي مجمعاً، وفي ذلك يقول حذافة بن غانم الجمحي يمدحه.
أبوهم قصي كان يدعى مجمعا به جمع الله القبايل من فهر
هم نزلوها والمياه قليلة وليس بها إلا كهول بني عمر
ويقال من أجل تجمع قريش إلى قصي سميت قريشاً.
فحاز قصي شرف مكة وأنشأ دار الندوة وفيها كانت قريش تقضي أمورها ولم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصي إلا ابن أربعين سنة للمشورة وكان يدخلها ولد قصي كلهم أجمعون وحلفاءهم، فلما كبر قصي ورق كان عبد الدار بكره أكبر ولده، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب شرفه كل مذهب، وعبد الدار وعبد العزي وعبد بنو قصي بها لم يبلغوا ولا أحد من قومهم من قريش ما بلغ عبد مناف من الذكر والشرف والعز وكان قصي، وحبي ابنة خليل يحبان عبد الدار ويرقان عليه لما يريان عليه من شرف عبد مناف وهو أصغر منه فقالت له حبي: لا والله لا أرضى حتى تخص عبد الدار بشيء تلحقه بأخيه. فقال قصي: والله لألحقنه به ولأحبونه بذروة الشرف حتى لا يدخل أحد من قريش ولا غيرها الكعبة إلا بإذنه ولا يقضون أمراً ولا يعقدون لواء إلا عنده، وكان ينظر في العواقب، فأجمع قصي على أن يقسم أمور مكة الستة التي فيها الذكر والشرف والعز بين ابنيه فأعطى عبد الدار السدانة وهي الحجابة ودار الندوة واللواء وأعطي عبد مناف السقاية والرفادة والقيادة.
فلما هلك قصي أقيم أمره في قومه بعد وفاته على ما كان عليه في حياته وولي عبد الدار حجابة البيت وولاية دار الندوة واللواء.