بوابة الحرمين الشريفين

تاريخ الحرمين الشريفين
أضواء على المسجد الحرام بين الجاهلية والإسلام

أضواء على المسجد الحرام بين الجاهلية والإسلام
المسجد الحرام هو ذلك البيت العظيم الذي أسس على التقوى من أول يوم، والذي جعله الله مثابة للناس وأمناً، وطهره للطائفين والعاكفين والركع السجود، والذي كان –ولا يزال مهوى القلوب وملتقى الشعوب ومنار الهدى والرشاد.
وهو ذلك المسجد التالد الخالد الذي أفنى جداره القرون، وطوى ركنه الليالي والعصور، والذي حماه الله من بغي الطاغين وطغيان الباغين عبر العصور والقرون، وسيظل يحميه ويرعاه ويهيئ له من يدافعون عن حرمه وحماه جيلاً بعد جيل، وقبيلاً في إثر قبيل إلى أن تبدل الأرض غير الأرض ويقوم الناس لرب العالمين.
وتختلف الروايات حول بناء هذا البيت العتيق، حتى إن بعض الرواة يرجعون به إلى الزمن الغابر البعيد قبل أن يخلق آدم أبو البشر، فيقولون: إن الملائكة عليهم السلام هم الذين تولوا بناءه، ويذهب آخرون: إلى أن آدم عليه السلام هو أول من بناه، ويروون في ذلك حديثاً يتصل سنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: {بعث الله جبريل إلى آدم وحواء، فقال لهما: ابنيا لي بيتاً، فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب، فلما بناه أوحى الله إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت. ثم تناسخت القرون حتى رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل}( )
على أن هاتين الروايتين أعني بناء الملائكة وبناء آدم للبيت موضع خلاف بين العلماء، والقول الراجح: أنهما غير ثابتتين، وأنهما على فرض صحتهما ليستا بناء كاملاً للبيت وإنما هو مجرد تأسيس.
ولكن الذي لا شك فيه: أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام هما اللذان رفعا قواعد البيت الحرام، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ((وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [البقرة:127] * ((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة:128].
كيف انتقل إسماعيل إلى وادي مكة؟
يكاد يجمع المؤرخون على أن إبراهيم عليه السلام نشأ في بلاد العراق بين قوم يتخذون الأصنام آلهة من دون الله، وقد دعاهم إبراهيم إلى توحيد الله وعبادته وعاش الخليل صلوات الله وسلامه عليه فترة طويلة معهم دون أن يرزقه الله بولد من زوجته سارة فحملتها شفقتها على زوجها إبراهيم وحبها له على أن تهب له جاريتها (هاجر) وقالت له: " إني حرمت من الولد فعسى الله أن يرزقك منها غلاماً تقر به عينك "
وقد حقق الله آمال إبراهيم وزوجته سارة فحملت هاجر وولدت إسماعيل وكان أبوه إبراهيم في السادسة والثمانين من عمره.. ولحكمة جليلة أرادها الله عز وجل أذن الله إبراهيم أن ينقل هاجر وابنها إلى وادي مكة وكان مجدباً لا زرع فيه ولا ثمر، وألقى الله في نفسه السكينة والطمأنينة بأن الله سينبت لهما الفرج من الضيق ويسوق الخير إليهما من أيسر طريق، ويستجيب لدعائه ورجائه حيث قال: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) (ابراهيم 36)
وقد بدأت البشائر على الفور فاستجاب الله دعاء خليله إبراهيم فانبثق الماء من تحت أقدام إسماعيل، وجاد الصخر الأصم بالماء العذب فكانت بئر زمزم وكان الحرم الآمن الذي تهوي إليه أفئدة الناس ويجبى إليه ثمرات كل شيء.
بنو جرهم والخزاعيون في مكة:
وكان بنو جرهم قد هاجروا من بلاد اليمن بعد أن انهدم سد مأرب واستقروا في واد قريب من مكة، فلما تفجر ماء زمزم لزمت الطير الوادي حين رأت الماء، فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء فجاءوا إلى هاجر وقالوا لها: لو شئت كنا معك فآنسناك والماء ماؤك فكانوا معها حتى شب إسماعيل وتزوج منهم فكانت ذريته منهم هي العرب المستعربة.
ولما رفع إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت كانت له ولأولاده السيادة والقيادة وكان أمر المسجد الحرام في أيديهم منذ أذن إبراهيم في الناس بالحج، وأصبح البيت الحرام مثابة للناس، ولكن الزمن الدوار قضى على بني إسماعيل بالتخلف والضعف فانتزع أخوالهم الجراهمة السلطة من أيديهم، وظلت السلطة في أيديهم قرابة ألف عام، ولكنهم طغوا وبغوا، واستحلوا حرمة البيت وظلموا من دخل مكة من الحجاج وغيرهم، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها، وارتكبوا الآثام والمنكرات إلى جوار البيت المحرم، فأهلكهم الله بذنوبهم ولحق بهم الدمار والوبال فأخرجهم الخزاعيون من مكة، وأصبحوا كما قال شاعرهم:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى، نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليال والجدود العواثر
وكان الخزاعيون قد هاجروا من اليمن واستقروا في مكة إلى جوار الجراهمة، فلما رأوا ما حل بهم من فساد وضعف وانحلال انتهزوا هذه الفرصة واستولوا على النفوذ والسلطان، وقد ظلوا سادة مكة، وظل أمر المسجد الحرام في أيديهم زهاء مئتي سنة، ثم أدركهم داء الأمم وقلب الدهر لهم ظهر المجن، واستطاع زعيم قرشي من بني إسماعيل أن يحاربهم وينتصر عليهم ويعيد نفوذ أجداده القديم وسلطانهم، وهذا الزعيم هو قصي بن كلاب وهو الجد الرابع للرسول صلى الله عليه وسلم..
قصي بن كلاب وتجميع قريش حول الكعبة:
ومنذ رجعت السلطة إلى قصي بدأ عهد جديد من النمو والازدهار لبني إسماعيل بعد أن ظلوا أمداً طويلاً في ضعف وركود يكاد يشبه الموت، وكان أول ما فعله قصي أن جمع أفراد قريش المبعثرين في نواح متعددة إلى وادي مكة وجعل لكل بطن منهم حياً خاصاً على مقربة من الكعبة فاستحق بذلك لقب "المجمع".
وكان الناس بعد ذلك لا يجرؤون على البناء بجوار الكعبة مبالغة في تقديسها ولكن قصياً أراد بتجميع قريش حولها أن يجعلهم حماة لها يتعهدونها بالصيانة ويدفعون عنها الخطر، وقد توارث أبناء قصي هذا المجد والسلطان حتى جاء من أحفاده عبد المطلب بن هاشم وهو الجد الأول لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
عام الفيل والطير الأبابيل:
ولما كان عام الفيل وهو العام الذي ولد فيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وقعت الآية الكبرى الخالدة على الدهر وهي الآية التي حمى الله بها البيت الحرام من عدوان الظالمين وظلم المعتدين حيث أرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول.
أجل، لقد أرسل الله على هؤلاء المعتدين طيوراً من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا تصيب أحداً منهم إلا هلك، وذعر جيش الظلم والعدوان وجعلوا يتساقطون بكل طريق وأصيب أبرهة الحبشي قائد الجيش في جسده فظل لحمه يتساقط ويتناثر حتى انصدع صدره عن قلبه وكانت نهايته الأليمة عبرة وعظة أمام القرون والأجيال.
وهكذا حمى الله بيته المحرم من عدوان الطغاة وبغيهم لأنه البيت العتيق الذي كان مصدر الهدى والنور منذ رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فلما تغيرت الأحوال وعبد العرب الأصنام وتركوا النور وتخبطوا في الظلام شاء الله ألا يطول عليهم الأمد في هذه الظلمات وأراد بهم الخير فحمى هذا البيت من عدوان الأحباش ليعود إليه مجده التليد، ويتلألأ النور فيه من جديد على يدي نبي الإسلام محمد بن عبد الله الذي ولد في هذا العام ثم بعثه الله بعد ذلك هداية ورحمة للعالمين".
تجديد بناء الكعبة قبيل البعثة النبوية:
وقبيل البعثة النبوية وحينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم في الخامسة والثلاثين من عمره أصاب الكعبة سيل جارف صدع جدرانها وأوهن بنيانها فأرادت قريش هدمها ليرفعوها ويجددوها فاجتمعت قبائلهم لذلك ولكنهم هابوا هدمها لمكانها من قلوبهم، فقال لهم الوليد بن المغيرة: أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإمارة؟ قالوا: بل نريد الإصلاح، قال: إن الله لا يهلك المصلحين، وشرع بهدم فتبعوه، ثم ابتدؤا بعد الهدم في البناء وأعدوا لذلك نفقة طاهرة طيبة ليس فيها مهر بغي ولا بيع ربا وجعل الأشراف من قريش يحملون الحجارة على أعناقهم، وكان الذي يلي البناء نجار رومي اسمه باقوم، وقد خصص لكل ركن جماعة من العظماء ينقلون إليه الحجارة وقد ضاقت بهم النفقة الطيبة عن إتمامه على قواعد إسماعيل فأخرجوا منه الحجر وبنوا عليه جداراً قصيراً علامة على أنه من الكعبة.
ولما تم البناء ثماني عشرة ذراعاً بحيث زيد فيه عن أصله تسعة أذرع ورفع الباب عن الأرض بحيث لا يصعد إليه إلا بدرج أرادوا وضع الحجر الأسود في موضعه فاختلف أشرافهم فيمن يضعه وتنافسوا في ذلك حتى كادت تنشب بينه نار الحرب ودام يبنهم هذا الخصام أربعة أيام وكان أبو أمية بن المغيرة المخزومي عم خالد بن الوليد أكبرهم سناً وأرجحهم عقلاً فقال لهم: يا قوم! لا تختلفوا وحكموا بينكم من ترضون بحكمه. فقالوا: نكل الأمر لأول قادم علينا، فكان هذا القادم هو الصادق الأمين محمد ابن عبد الله فقالوا: هذا الأمين رضيناه. فلما أخبروه الخبر بسط رداءه وقال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم وضع فيه الحجر وأمرهم برفعه حتى انتهوا إلى وضعه فأخذه ووضعه فيه، وهكذا انتهت هذه المشكلة التي كادت توقع بطون قريش في حرب مدمرة لا يعلم مداها إلا الله وقد بنت قريش دورها حول الكعبة المعظمة وفتحت أبوابها إلى نحو الكعبة وتركوا للطائفين مقدار المطاف وجعلوا بين كل دارين من دورهم طريقاً فيه باب يسلك منه إلى المطاف وجعلوا دورهم مدورة ولم تكن مربعة الشكل حتى لا يكون بينها شبه وبين الكعبة في شكل البناء وجعلوا ارتفاع تلك الدور أقل من ارتفاع الكعبة.
لمحة سريعة عن عمارة المسجد الحرام بعد عصر الرسول:
وقد بقي الوضع في الكعبة والمطاف حولها على هذه الصفة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر الصديق فكان المسجد الحرام هو المطاف الذي حول الكعبة حتى جاء زمن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فكانت أول توسعة للمسجد على يديه، ويذكر الرواة في ذلك أن سيلاً عظيماً أصاب مكة سنة 17 هـ ودخل المسجد واقتلع مقام إبراهيم من موضعه وذهب به إلى أسفل مكة فجيء به وألصق بالبيت المحرم، وعلم عمر رضي الله عنه وهو بالمدينة بما وقع فهاله الأمر وجاء مسرعاً إلى مكة ودخلها محرماً لعمرة في شهر رمضان ووقف على حجر مقام إبراهيم وهو ملصق بالبيت الشريف فهول من ذلك ثم تساءل عن شخص يعرف الموضع الذي كان فيه مقام إبراهيم فقال المطلب ابن أبي وداعة السهمي أنا يا أمير المؤمنين عندي مقياسه في البيت، فجيء به ووضع الحجر الذي هو مقام إبراهيم في موضعه الذي هو فيه الآن.( ).
وكان المسجد الحرام ليس له جدران تحيط به وإنما كانت دور قريش –كما قدمنا محيطة به من كل جانب غير أن بين الدور أبواباً يدخل منها الناس إلى المسجد، ولما كان زمن عمر رضي الله عنه وضاق المسجد اشترى عمر الدور التي حول المسجد وهدمها وأمر ببناء جدار قصير دون القامة أحاط بالمسجد( ).
توالي التعمير والتوسعة للمسجد:
ثم توالى تعمير المسجد الحرام وتوسعته بعد زمن عمر تبعاً للظروف التي كانت تقتضي ذلك، فلما كانت خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ازداد سكان مكة المكرمة وظهر في ذلك ضيق المسجد على المصلين فاشترى عثمان رضي الله عنه دوراً من التي تجاوز المسجد الحرام وهدمها وأدخل أرضها في المسجد الحرام توسعة له وكان ذلك سنة 26 هـ وجعل للمسجد أروقة مسقوفة وكان قبل ذلك مكاناً مكشوفاً غير مسقوف.
ثم كانت عمارة أخرى للمسجد وللكعبة في عهد عبد الله بن الزبير الذي اشترى دوراً كثيرة وسقف المسجد وزاد فيه زيادة كبيرة وتم ذلك سنة 65 هـ ولما كانت خلافة عبد الملك بن مروان أمر بعمارة المسجد الحرام فرفع جداره وسقفه بالساج وجعل على رأس كل اسطوانة مثقالاً من الذهب وجاء بعده ابنه الوليد بن عبد الملك فأمر بتوسيع المسجد الحرام وأتى بالأساطين الرخام من مصر والشام وسقف المسجد بالخشب الساج المزخرف وكانت توسعة الوليد للمسجد من الجهة الشرقية وتم ذلك سنة 91هـ.
ولما كانت خلافة أبي جعفر المنصور العباسي أمر عامله على مكة بزيادة توسيع المسجد الحرام وذلك في سنة 137 هـ فزاد في توسعة المسجد من ثلاث جوانب وكان أبو جعفر أول من ألبسه المرمر من داخله وخارجه وأعلاه، وقد استمر العمل في المسجد ثلاثة أعوام.
ثم زاد ابنه المهدي في المسجد ووسعه من جوانبه الأربع وأنفق في توسعته أموالاً طائلة لأنه اشترى الدور المجاورة له بأضعاف ثمنها ونقل إليه أحجار الرخام والأعمدة الكبيرة الرخامية من الشام وقد دام المسجد الحرام على عمارة أمير المؤمنين المهدي العباسي من سنة 169 هـ إلى عام 979 هـ أي أنه استمر أكثر من ثمانمائة عام وهو في أكمل زينته لم يذهب بهاؤه ولم يتغير رونقه وبهاؤه، وظل يكافح صدمات السيول العظيمة ويصارع الأنواء المتقلبة في قوة وصلابة هذا الأمد الطويل.
وفي سنة 979 هـ ظهر أن الرواق الشرقي مال إلى نحو الكعبة الشريفة بحيث برزت برؤوس خشب السقوف منه عن محل تركيبها في جدار المسجد فصدر أمر السلطان العثماني سليم خان بالمبادرة إلى بناء المسجد جميعه وأن يجعل عرض السقف قبباً بأروقة المسجد الحرام ليؤمن تآكله، فقد كان متآكلاً منه جانب طرفيه وكان يحتاج بعض السقف إلى تبديل خشبه بخشب آخر بين الحين والحين، وكان له سقفان بين كل سقف نحو ذراعين وصار ما بين السقفين مأوى للحيات والطيور فكان من حسن الرأي تبديلها بالقبب لتمكنها، ثم تتابع السلاطين من آل عثمان في إكمال هذا التعمير وتمكينه وكان السلطان سليم خان قد توفي قبل الإتمام وتولى بعده السلطان مراد خان فأصدر أمره بالإسراع في إنجاز العمل وإكماله حتى تم سنة 984 هـ ولا تزال عمارة السلطان سليم وابنه مراد باقية إلى الآن.
التوسعة السعودية:
وفي أوائل عام 1375 هـ وكانت الجزيرة العربية في معظم أنحائها وإقليم الحجاز بوجه خاص قد أظلته مظلة الحكم السعودي، في أوائل هذا العام بدأت التوسعة السعودية المباركة للمسجد الحرام وأدخل المسعى بعد أن كان شارعاً تجارياً ضمن المسجد الحرام واستمر البناء على أسس متينة وهندسة جميلة تليق بما لبيت الله من قداسة ومكانة عظيمة في نفوس المسلمين، وأصبحت مساحة المسجد الحرام بطابقيه بعد هذه التوسعة العظيمة (160861) مائة وستين ألف وثمانمائة وواحد وستين ألفاً من الأمتار بعد أن كانت (29127) تسعة وعشرين ألفاً ومائة وسبعة وعشرين متراً.
ويعتبر مشروع التوسعة هذه أعظم مشروع تم إنجازه لعمارة هذا المسجد العظيم وإصلاحه منذ رفعت قواعده ،حيث استغرق العمل فيه أكثر من خمسة عشر عاماً ناهيك عن التوسعة التي تليها وهي توسعة الملك فهد طيب الله ثراه.
لمحة خاطفة عن الحجر الأسود:
ويقتضينا الحديث عن المسجد الحرام أن نخصص كلمة عن الحجر الأسود وما تعرض له من أحداث عبر الأزمنة والعصور المتعاقبة.
ولقد ذكر ابن الأثير في تاريخه أن إبراهيم عليه السلام حينما أمره الله ببناء البيت الحرام قال لولده إسماعيل: لقد أمرك الله أن تعينني على بنائه، قال: إذن أفعل، فقام معه فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، ثم قال إبراهيم لإسماعيل: ائتني بحجر متميز في لونه أجعله للناس علماً (أي علامة يبدأ منها الطواف) فأخذ إسماعيل حجراً من أحجار جبل أبي قبيس هو الحجر الأسود ووضعه في موضعه، فلما ارتفع البنيان كان إبراهيم يقف على حجر وإسماعيل يناوله، وهذا الحجر هو مقام إبراهيم وهكذا تعاون إبراهيم وإسماعيل حتى رفعا قواعد البيت.( )
وفي هذه الرواية الهادئة وما يؤيدها من روايات ذكرتها أمهات الكتب التاريخية يتبين لنا أن الحجر الأسود هو من أحجار جبل أبي قبيس وقد أراد الله أن يوضع في ركن من أركان بيته المحرم ليكون علماً أي علامة يبدأ منها الطواف وينتهي إليها، فلما أذن إبراهيم في الناس بالحج كان الحجر الأسود وضع بدء الطواف ونهايته، وكان الطائفون يبدءون باستلامه وكأنهم يسجلون أنفسهم في هذا السجل الخالد، ويقترن ذلك في نفوسهم بأجل الذكريات فيزداد حبهم لهذا الحجر المبارك وينتقل ذلك من قبيل إلى قبيل ومن جيل إلى جيل.
وهذه اليد التي وضعت الحجر الأسود في مكانه وأظهرت للعالمين قدره وغرست في قلوب المؤمنين محبته، هي اليد التي تسلطت من قبل على الأصنام فجعلتها جذاذاً وأظهرت للعالمين ما يحيط بتقديسها من وهم وخرافة وغرست في قلوب المؤمنين عقيدة سليمة تدعو إلى نبذ عبادة الأصنام والقضاء عليها، ذلك بأن الحجر الأسود جزء من الكعبة المشرفة وحينما يتطلع إليه المؤمنون على توالي العصور من نافذة الإيمان الصحيح والعقيدة السليمة يرونه حجراً لا يضر ولا ينفع وحينما يقبلونه يوقنون حق اليقين أنه لا يحس بتقبيلهم، وحينما يكبرون إلى جواره يعتقدون أنه لا يسمعهم وأنهم إنما يكبرون للسميع العليم فإذا تطلعت عيونهم إلى الحجر والبيت فإن قلوبهم لا ترى إلا خالق الحجر ورب البيت.
ولقد تعرض الحجر الأسود عبر القرون لأحداث كثيرة، ولولا أن الله قدر له الحفظ والبقاء لعصفت به الكوارث، وتبدد بين ركام الحوادث، فعندما وقعت الفتنة بين عبد الله بن الزبير وبين الأمويين أعاد عبد الها بناء الكعبة بعد تصدعها على يد الحصين بن نمير، وصب طوقاً من الفضة حول الحجر ليثبته في مكانه، ولكن الفضة تزلزلت بمضي الوقت وتعلقت حول الحجر حتى خشي الناس عليه أن يسقط من مكانه فلما ذهب الرشيد إلى الحج أمر بالحجارة التي يقع بينها الحجر الأسود فثقبت بالماس من فوقها ومن تحتها ليثبت الحجر الأسود في مكانه.
ويذكر التاريخ أن عدو الله أبا طاهر القرمطي وفد إلى مكة سنة 317 هـ وعمل فيها هو وأصحابه أفعلاً منكرة، وضرب بعضهم الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم قلعه من موضعه وذهب به إلى البحرين وبقي موضعه خالياً كالعين المفقودة، يذكر الناس بما أقدم عليه هؤلاء الآثمون من الذنب والخطيئة.
وكان الطائفون يضعون أيدهم في مكانه كما كانوا يلمسونه في حال وجوده، وبذل الحكام المسلمون محاولات عنيفة لاسترداده، ولكن لم يتم ذلك إلا في سنة 339 هـ وقال القرامطة عند رده: أخذناه بقدرة الله ورددناه بمشيئة الله.
ومنذ ذلك الحين ظل الحجر الأسود ماثلاً في مكانه في ركن الكعبة يبدأ منه الطواف وينتهي إليه، وسيظل بإذن الله أثراً تليداً خالداً يحمل إلى الأجيال ذكرى إبراهيم وإسماعيل، وهي ذكرى خالدة تعتز بها النفوس ويقوى في ظلها الإيمان.
وبعد فهذه لمحة خاطفة عن تاريخ المسجد الحرام بين العصرين، عصر الجاهلية وعصر الإسلام، ولقد عاش المسجد العظيم في كلا العصرين محوطاً بالقدسية والجلال، وتتابعت عليه الأحداث العصيبة والفتن الرهيبة فلم تزده إلا قوة وصلابة فكان كالشجرة العظيمة التي رسخت أصولها وجذورها وانتصبت في الفضاء تتحدى الأعاصير والأنواء وتسخر من تقلبات الأجواء.
وإنه لمن يمن الطالع أن يقيض الله لحرمه الأمن في هذا الوقت العصيب الذي يموج بالفتن ويصول فيه الشيطان ويجول في أرجاء المجتمع الإسلامي يبث سموم الفرقة ويغري ضعفاء الإيمان بالضلالات الباطلة والأباطيل الضالة.. أقول: إنه لمن يمن الطالع أن يقيض الله لحرمه الأمن اليد القوية الأمينة التي تدفع عنه عوادي الشر وتقيه كيد المارقين الضالين وترعاه حق رعايته وتصون حماه.. والعالم الإسلامي كله يتطلع بإعجاب وإكبار إلى خادم الحرمين الشريفين ويبارك جهوده الدائبة المتواصلة للحفاظ على قدسية البلد الأمين والحرمين الشريفين ويسأل الله له طول العمر ودوام التوفيق والسداد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.